وكم رجل تلا عند لهيب بيته : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ،) وخرج هاربا (وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ.) وشكا الناس من شدّة الوهج وهم في الشتاء ، وصاروا من هذا الأمر يتعجّبون ، فقال لهم لسان النّار : أتعجبون من الوهج والحريق وأنتم في كانون؟ ولعمري لو عاش ابن نباتة ورأى هذه الحال وماتم على أهل دمشق في كانون ، لترك رثاء ولده عبد الرّحيم وقال :
|
يا لهف قلبي على وادي دمشق ويا |
|
حزني عليه ويا شجوي ويا دائي |
|
في شهر كانون وافاه الحريق لقد |
|
أحرقت بالنّار يا كانون أحشائي |
ونظرت بعد ذلك إلى (القلعة) المحروسة ، وقد قامت قيامة حربها حتى قلنا :
(أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ،) وستروا بروجها من الطارق بتلك الستائر وهم يتلون : (لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ).
واستجليت عروس (الطّارمة) (١) عند زفّها ، وقد تجهّزت للحرب وما لها غير الأرواح مهر ، وعقدت على رأسها تلك العصائب وتوشّحت بتلك الطوارق وأدارت على معصمها الأبيض سوار النهر ، وغازلت بحواجب قسيّها فرمت القلوب من عيون مراميها بالنّبال ، وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السّهام لها أميال.
وطلبها كلّ من الحاضرين وقد غلا دست الحرب ، وسمح وهو على فرسه بنفسه الغالية ، وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن (الطارمة) عالية. وتالله لقد حزنت لقوم لم يتدرّعوا بغير آية الحرس في الأسحار ، وقد استيقظوا لحمل قسيّهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار ، فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشّامخة ، بمن أسّس رواسي المحجوج ، وأحصّنها قلعة بالسّماء ذات البروج.
__________________
(١) كانت هذه الطارمة من معالم دمشق في العهد المملوكي ، وهي بناء فخم كان ملحقا بالقلعة من خارجها ، بشكل قاعة خشبية أنيقة ذات شبابيك تعلوها قبّة من الخشب جميلة الصنعة يجلس بها السّلطان. سيرد ذكرها في نصّ أبي البقاء البدري أدناه.