ذكر متجدّدات
[شوّال سنة ٦٦٩ ه]
في تاسع شوّال كان بدمشق السّيل العظيم (١) ، وذلك أنه أتى نصف الظهر فأتى على كل شيء فجعله كالرّميم ، وطلع في خور دمشق قدر رمح وأغرق حيوانات كثيرة على اختلافها ، ودخل دمشق فأفسد عدّة آدر بها ، وأغرق من العالم ما لا يعدّ كثرة ، ومن الخيل والجمال أشياء كثيرة. وما علم أحد من أي جهة كان اجتماعه بغير مطر عظيم ولا أين ذهب ، فسبحان ذي القدرة والعظمة ، واقتلع الأشجار من أصولها.
ودخل السّلطان بعد ذلك بأيام إلى دمشق ، فما وجد بها ماء ولا حمّاما تدور ، وشرب النّاس من الصّهاريج والآبار. ويقال إنه هلك بهذا السّيل عشرة آلاف روح ، وأخذ السّيل الطواحين بحجارتها حتى [كأنها] ما كانت. وحكي أن فقيرا صالحا حضر إلى دار نائب السّلطنة بدمشق ، يقول : «وعرّفوا الأمير أنني أريد أغدو إلى بعلبك» ، فقال له الأمير : «رح ، إجر» ، وضحكوا منه. فراح وعاد ، وهو ينذر النّاس بالسّيل ، فضحكوا منه وما أحسّوا بالسّيل إلا وقد هجم على ما ذكر.
لمّا فرغ السّلطان من هذه الجهات (٢) ، وترتّب الأمير عزّ الدّين الأفرم وعزّ الدّين أيبك الشيخ للعمارة (٣) ، رحل السّلطان فوصل دمشق منتصف شوّال ، ورحل منها [في رابع وعشرين منه].
(الرّوض الزّاهر ، ٣٨٤ ـ ٣٨٥)
__________________
(١) حول هذا السيل العظيم انظر ما تقدّم أعلاه في نصّ ابن شدّاد.
(٢) كان السّلطان قبل ذلك يقوم بحملاته الحربية المكّوكية بنواحي السّاحل الشامي ، فافتتح قلعة صافيتاle Chastel Blanc من أيدي فرسان الهيكل (الدّوايّة) ، ثم حصن الأكرادle Crac des Chevaliers من أيدي فرسان المشفى (الإسبتاريّة) ، وبعد ذلك أبرم هدنة مع أصحاب حصني طرطوس والمرقب ، وقصد حصن عكّار قرب طرابلس فافتتحه ، ثم تهادن مع صاحب طرابلس التي كانت أمنع موقع في السّاحل الشامي.
(٣) أي عمارة حصني الأكراد وعكّار.