[ابن بطوطة بدمشق ثانية]
[في عام ٧٤٩ ه]
ثم سافرنا إلى تدمر ، مدينة نبيّ الله سليمان ، عليهالسلام ، التي بنتها له الجنّ ، كما قال النّابغة : «يبنون تدمر بالصّفاح والعمد».
ثم سافرنا منها إلى مدينة دمشق الشّام ، وكانت مدّة مغيبي عنها عشرين سنة كاملة. وكنت تركت بها زوجة لي حاملا ، وتعرّفت وأنا ببلاد الهند أنها ولدت ولدا ذكرا ، فبعثت حينئذ إلى جدّه للأم ، وكان من أهل مكناسة المغرب ، أربعين دينارا ذهبا هنديّا.
فحين وصولي إلى دمشق في هذه الكرّة ، لم يكن لي همّ إلا السّؤال عن ولدي (١). فدخلت المسجد ، فوفق لي نور الدّين السّخاوي ، إمام المالكيّة وكبيرهم ، فسلّمت عليه فلم يعرفني ، فعرّفته بنفسي وسألته عن الولد ، فقال : «مات منذ ثنتي عشر سنة». وأخبرني أن فقيها من أهل طنجة يسكن بالمدرسة الظاهريّة ، فسرت إليه لأسأله عن والدي وأهلي. فوجدته شيخا كبيرا ، فسلّمت عليه وانتسبت له. فأخبرني أن والدي توفّي منذ خمسة عشر سنة ، وأن الوالدة بقيد الحياة.
وأقمت بدمشق الشام بقيّة العام ، والغلاء شديد والخبز قد انتهى إلى قيمة سبع أواق بدرهم نقرة ، وأوقيتهم أربع أواق مغربية.
وكان قاضي قضاة المالكية إذ ذاك جمال الدّين المسلاتي ، وكان من أصحاب الشيخ علاء الدّين القونوي ، وقدم معه دمشق فعرف بها ثم ولي القضاء. وقاضي قضاة الشافعيّة تقيّ الدّين ابن السّبكي. وأمير دمشق ملك الأمراء أرغون شاه.
__________________
(١) وماذا عن زوجته المسكينة التي تركها حاملا وغاب عنها ٢٠ سنة؟ ليته كان كلّف خاطره مجرّد السؤال عنها ، أو على الأقل ذكر ما آل إليه أمرها هنا. غير أن أخبار رحلاته استغرقت كما يبدو مجمل اهتمامه ، حتى نسي أن يترحّم في هذه الصحائف على ولده الذي مات بعمر ٨ سنوات ، ولم يكن حتى يعرفه. فيا للعجب.