فلمّا أردت الانصراف بالغد منعني من ذلك ، وقال لي : احسب داري كأنها دارك ، أو دار أبيك ، أو أخيك. وأمر بإحضار طبيب ، وأن يصنع لي بداره كل ما يشتهيه الطبيب من دواء أو غذاء.
وأقمت كذلك عنده إلى يوم العيد ، وحضرت المصلّى وشفاني الله مما أصابني. وقد كان ما عندي من النّفقة نفد ، فعلم بذلك ، فاكترى لي جمالا وأعطاني الزّاد وسواه ، وزادني دراهم وقال لي : تكون لما عسى أن يعتريك من أمر مهمّ. جزاه الله خيرا.
* * *
وكان بدمشق فاضل من كتّاب الملك النّاصر ، يسمّى عماد الدّين القيصراني ، من عادته أنه متى سمع أن مغربيا وصل إلى دمشق ، بحث عنه وأضافه وأحسن إليه ، فإن عرف منه الدّين والفضل ، أمره بملازمته. وكان يلازمه منهم جماعة.
وعلى هذه الطريقة أيضا ، كاتب السرّ الفاضل علاء الدّين بن غانم ، وجماعة غيره.
وكان بها فاضل من كبرائها ، وهو الصّاحب عز الدّين القلانسي ، له مآثر ومكارم وفضائل وإيثار ، وهو ذو مال عريض. وذكروا أن الملك النّاصر لما قدم دمشق أضافه وجميع أهل دولته ومماليكه وخاصّه ثلاثة أيام ، فسمّاه إذ ذاك بالصّاحب.
* * *
ومما يؤثر من فضائلهم أن أحد ملوكهم السالفين لما نزل به الموت ، أوصى أن يدفن بقبلة الجامع المكرّم ويخفى قبره ، وعيّن أوقافا عظيمة لقرّاء يقرأون سبعا من القرآن الكريم ، في كل يوم ، إثر صلاة الصبح ، بالجهة الشرقية من مقصورة الصحابة رضياللهعنهم ، حيث قبره. فصارت قراءة القرآن على قبره لا تنقطع أبدا ، وبقي ذلك الرّسم الجميل بعده مخلّدا.