وهذا من أحسن الأعمال ، فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصّحن أو ينهره ، وهو أيضا ينكسر قلبه ويتغيّر لأجل ذلك ، فكان هذا الوقف جبرا للقلوب ، جزى الله خيرا من تسامت همّته في الخير إلى مثل هذا.
وأهل دمشق يتنافسون في عمارة المساجد والزوايا والمدارس والمشاهد.
وهم يحسنون الظنّ بالمغاربة ، ويطمئنّون إليهم بالأموال والأهلين والأولاد ، وكل من انقطع بجهة من جهات دمشق ، لا بدّ أن يتأتّى له وجه من المعاش من إمامة مسجد ، أو قراءة بمدرسة ، أو ملازمة مسجد يجيء إليه فيه رزقه ، أو قراءة القرآن ، أو خدمة مشهد من المشاهد المباركة. أو يكون كجملة الصّوفية بالخوانق ، تجري له النّفقة والكسوة.
فمن كان بها غريبا على خير ، لم يزل مصونا عن بذل وجهه ، محفوظا عما يزري بالمروءة. ومن كان من أهل المهنة والخدمة ، فله أسباب أخر من حراسة بستان ، أو أمانة طاحون ، أو كفالة صبيان يغدو معهم إلى التعليم ويروح.
ومن أراد طلب العلم أو التفرّغ للعبادة ، وجد الإعانة التامة على ذلك.
* * *
ومن فضائل أهل دمشق ، أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده البتّة ، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء ، فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده ، ومن كان من التجار وكبار السّوقة صنع مثل ذلك ، ومن كان من الضّعفاء والبادية ، فإنهم يجتمعون كل ليلة في دار أحدهم ، أو في مسجد ، ويأتي كل أحد بما عنده فيفطرون جميعا.
ولما وردت دمشق ، وقعت بيني وبين نور الدّين السّخاوي مدرّس المالكية صحبة ، فرغب مني أن أفطر عنده في ليالي رمضان ، فحضرت عنده أربع ليال ، ثم أصابتني الحمّى فغبت عنه. فبعث في طلبي ، فاعتذرت بالمرض ، فلم يسعني عذرا ، فرجعت إليه وبتّ عنده.