وصنّف في السّجن كتابا في تفسير القرآن سمّاه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلدا. ثم إن أمّه تعرّضت للملك النّاصر وشكت إليه ، فأمر بإطلاقه ، إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية.
وكنت إذ ذاك بدمشق ، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكّرهم ، فكان من جملة كلامه أن قال : إن الله ينزل الى سماء الدنيا كنزولي هذا. ونزل درجة من درج المنبر. فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزّهراء ، وأنكر ما تكلّم به. فقامت العامّة الى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته ، وظهر على رأسه شاشيّة حرير ، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه الى دار عز الدّين بن مسلم قاضي الحنابلة ، فأمر بسجنه وعزّره بعد ذلك.
فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره ، ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدّين تنكز ، وكان من خيار الأمراء وصلحائهم ، فكتب الى الملك النّاصر بذلك ، وكتب عقدا شرعيا على ابن تيمية بأمور منكرة منها : أن المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة ، ومنها أن المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف (زاده الله طيبا) لا يقصر الصلاة ، وسوى ذلك ممّا يشبهه ، وبعث العقد الى الملك النّاصر ، فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة ، فسجن بها حتى مات في السجن.
ذكر مدارس دمشق
اعلم أن للشافعية بدمشق جملة من المدارس أعظمها العادلية ، وبها يحكم قاضي القضاة. وتقابلها المدرسة الظاهرية ، وبها قبر الملك الظاهر ، وبها جلوس نواب القاضي. ومن نوابه فخر الدّين القبطي ، كان والده من كتّاب القبط وأسلم ، ومنهم جمال الدّين بن جملة ، وقد تولى قضاء قضاة الشافعية بعد ذلك وعزل لأمر أوجب عزله.