دمشق
ووصلت يوم الخميس التاسع من شهر رمضان المعظّم عام ستة وعشرين إلى مدينة دمشق الشام. فنزلت منها بمدرسة المالكيّة المعروفة بالشرابيشيّة (١).
ودمشق هي التي تفضل جميع البلاد حسنا ، وتتقدّمها جمالا ، وكلّ وصف وإن طال فهو قاصر عن محاسنها ، ولا أبدع مما قاله أبو الحسين بن جبير رحمهالله تعالى في ذكرها ، قال (٢) :
جنّة المشرق ، ومطلع حسنه المؤنق المشرق ، وهي خاتمة بلاد الإسلام التي استقريناها ، وعروس المدن التي اجتليناها ، قد تحلّت بأزاهير الرياحين ، وتجلّت في حلل سندسيّة من البساتين ، وحلّت من موضوع الحسن بالمكان المكين ، وتزيّنت في منصّتها أجمل تزيين ، وتشرّفت بأن آوى الله تعالى المسيح وأمّه ، صلى الله عليهما ، منها إلى ربوة ذات قرار ومعين.
ظلّ ظليل ، وماء سلسبيل ، تنساب مذانبه انسياب الأراقم بكل سبيل ، ورياض يحيي النفوس نسيمها العليل ، تتبرّج لناظريها بمجتلى صقيل ، وتناديهم : هلمّوا إلى معرّس للحسن ومقيل. قد سئمت أرضها كثرة الماء حتى اشتاقت إلى الظماء ، فتكاد تناديك بها الصّمّ الصّلاب : (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ.)
قد أحدقت البساتين بها إحداق الهالة بالقمر ، واكتنفتها اكتناف الكمامة للزّهر ، وامتدّت بشرقيّها غوطتها الخضراء امتداد البصر ، فكلّ موضع لحظته بجهاتها الأربع نضرته اليانعة قيد النظر ، ولله صدق القائلين عنها : إن كانت الجنّة في الأرض فدمشق لا شك فيها ، وإن كانت في السّماء فهي بحيث تسامتها وتحاذيها.
__________________
(١) أوقفها حوالي عام ٦٧٠ ه التاجر علي الشّرابيشي داخل باب الجابية ، زالت بحريق ١٩٢٥.
(٢) راجع رحلة ابن جبير ، طبعة دار صادر ببيروت ١٩٦٤ ، ص ٢٣٤ ـ ٢٧١. ونشرت منها وصفه لدمشق في في كتابي هذا أعلاه (رقم ٣٧).