ذكر توجّه السّلطان إلى دمشق وحلب
[مستهلّ سنة ٦٦٨ ه]
لمّا وصل السّلطان إلى الكرك بات بها كما ذكرنا (١) ، وأصبح يوم الجمعة مستهلّ السنة صلّى الجمعة بالكرك ، وركب جريدة على يده فرس ، وعلى يد كل من أصحابه فرس ، وساق إليها. ولمّا قاربها ، والنّاس لا يعلمون شيئا من حاله ، ولا يدري هل هو في شام أو حجاز أو غيره ، ولا يجسر أحد يتكلّم ، سيّر أحد خواصّه في البريد إلى دمشق بكتب البشائر بسلامته وقضاء حجّته.
فأحضر الأمير جمال الدّين النّجيبي الناس ليسمعوا البشرى ، فبينما هم في ذلك ، وقد بلغهم أن السّلطان في الميدان ، فتوجّه إليه الأمير جمال الدّين ، وجد السّلطان قد نزل في الميدان بمفرده ، ووهب فرسه لإنسان من منادية سوق الخيل عرفه ، وقبّل الأرض بين يديه. وحضر إلى خدمته الأمير شمس الدّين آقسنقر أستاذ الدّار والأمراء المصريون ، وأكل شيئا.
وتوجّه النّاس ليستريح السّلطان ، فقام وركب في جماعته اليسيرة ، وتوجّه إلى حلب ، وحضر النّاس إلى الخدمة فلم يجدوا أحدا. ودخل السّلطان حلب والأمراء في المواكب ، فساق إليهم فما عرفه أحد ، وبقي ساعة حتى عرفه الصّروي ، فنزل الأمراء وقبّلوا الأرض ، ونزل بدار نائب السّلطنة بحلب ، وشاهد قلعتها ، وعاد منها ولم يدر به أحد.
فوصل إلى دمشق في ثالث عشر المحرّم ، ولعب الكرة ، وركب في الليل وتوجّه إلى القدس الشريف والخليل ـ عليه الصّلاة والسّلام ـ فزارهما وتصدّق. وكان العسكر المصري قد سبقه صحبة الأمير شمس الدّين آقسنقر أستاذ الدّار العالية
__________________
(١) هذه الرّحلة إلى الشام كانت عقب رحلة السّلطان إلى الحجاز لأداء فريضة الحجّ أواخر سنة ٦٦٧ ه ، وكانت الغاية منها عدا الحجّ تثبيت أركان حكمه واستعراض مقدرته على متابعة دولته. وسبب جهل أركان الدّولة بمجيئه أنه كان يتعمّد الحركة بسريّة تامّة تحاشيا لانتشار أخبار سفره ، إلى درجة أن أمر بقطع لسان الحاجب بمصر حينما ندّت عنه عبارة عفوية بخصوص هذه السّفرة. راجع ما تقدّم في الرّوض الزّاهر ، ٣٥٤.