ثم عدّد ما بالبلد من أوقاف عامة لمختلف الشؤون الاجتماعية. كما عني بالكلام على ما يلقاه المغاربة من الإكرام وحسن الوفادة بدمشق ، فلا يحتاج أحد منهم إلى بذل وجهه في السؤال. وبالجملة أفاض في ذكر فضائل أهل دمشق.
أدّى ابن بطوطة بعد ذلك فريضة الحج ووصف مناسكها ، وتحدّث عن الحجازيين وعاداتهم وأحوالهم الاجتماعية ، ثم غادر الحجاز عام ٧٢٦ ه مع الرّكب العراقي وعرّج على واسط والبصرة ، ثم زار بعض المدن في غربي إيران ، مثل تستر وأصبهان وشيراز وكازرون ، ثم رجع عقب ذاك إلى العراق فأقام بالكوفة وبغداد.
وقام ابن بطوطة برحلات من بغداد إلى تبريز والموصل ونصيّبين وسنجار وماردين ، ثم رافق ركب الحاج العراقي إلى الحجاز فأدى الفريضة ثانية ، وأقام يدرّس بمكة سنة كاملة. ثم حج ثالثة ، وركب البحر مارا بسواكن ، وزار زبيدا ودخل بلاط سلطان اليمن في صنعاء ، وسافر إلى عدن وبلاد الزّيلع بالصّومال ومقديشو وجال على السّاحل الشرقي لأفريقية.
ثم عاد إلى بلاد العرب طائفا حول سواحلها الجنوبية والشرقية مارا بمدينة ظفار ، ثم مرّ بهرمز وسيراف والبحرين ، وعبر الخليج الفارسي إلى القطيف في إقليم اليمامة ، وانحدر منها إلى مكة فأدى الفريضة مرة رابعة وشاهد بها السّلطان المملوكي النّاصر محمد ابن قلاوون.
ثم رغب في أن يبحر إلى اليمن والهند ، ولكنه عاد إلى مصر وسافر إلى الشام ثم اللاذقية ، وطاف بعدها في بلاد الأناضول قبل أن تدخل في سلطة بني عثمان. وبعدها أبحر إلى شبه جزيرة القرم وكانت تابعة للسلطان المغولي محمد أوزبك خان. ثم انتقل إلى القوقاز ، ومنها اصطحب دليلا إلى مدينة البلغار على نهر إتل (الفولغا) ، راغبا بالصعود شمالا لزيارة أرض الظلمة (سيبيريا وشمالي روسيا) ، ولكنه أحجم لعدم المؤونة ولصعوبة السّفر في البرد القارس وارتفاع الكلفة.