وفرغ ابن جزيّ منها عام ٧٥٧ ه ، وختمها بعبارة أجزل فيها الثّناء على ابن بطوطة ، ولم ينس مولاه السلطان ، فافتخر بأن ذاك الرّحّالة العظيم إنما اختار الاستقرار في دياره دون غيرها.
غير أن شيئا من الاضطراب في نصّ الرّحلة يراه القارئ ، ربما كان مرجعه إلى أنه لم يدوّن أخبار رحلته بنفسه ، وأن ابن جزيّ عدّل في بعض أجزائها وغيّر فيها بالحذف والإضافة ، حتى جاءت بعض الأخبار بعيدة عن الدقة ، ولا سيّما أحاديثه عن الصين ، مما حدا ببعض الناقدين إلى اتّهامه بأنه لم يصل إلى تلك البلاد كما زعم في رحلته ، ويرى كراتشكوفسكي أن نصّه عن الصّين لا تزيد قيمته عما جاء في «أسفار السّندباد» أو «عجائب الهند» لبزرك بن شهريار.
غادر ابن بطوطة بلاد المغرب الأقصى عام ٧٢٥ ه إلى الأراضي الحجازية ، فمرّ ببلاد الجزائر وتونس وطرابلس ، ثم وصل إلى الإسكندرية والقاهرة ومنها إلى البحر الأحمر وعيذاب. ثم عاد إلى فسطاط القاهرة ورحل عنها إلى الشام فزار بعض مدن فلسطين ولبنان وسورية ، حيث كان في نيّته أن يتابع طريقه إلى الحجاز مع ركب الحج الشامي.
وتنقّل ابن بطوطة بين مدن الشام تنقلا يبدو غير منتظم في أخبار رحلته ، ووصف غزّة وبيت المقدس وانتقل إلى وصف صور وطرابلس الشام وحلب ، وسرد بعض الأخبار التاريخية المتعلقة بالنزاعات المشتجرة بين السّلطان المملوكي النّاصر محمد بن قلاوون ودولة إيلخانات المغول بالعراق.
دخل ابن بطوطة دمشق عام ٧٢٦ ه ، في أيام الملك النّاصر وكان كافلها آنذاك الأمير سيف الدّين تنكز النّاصري ، الذي وليها بين ٧١٢ ـ ٧٤٠ ه ، وكان عهده من أزهى وأبهى العهود التي شهدتها دمشق ، فنزل بها كما ذكر في مدرسة المالكية المعروفة بالشرابيشية ، التي كانت بداخل باب الجابية (في المنطقة المعروفة اليوم بالحريقة). وأسهب في الحديث عن دمشق ، فوصف مسجدها الجامع وصفا دقيقا ، ونقل الكثير عن سابقه ابن جبير الأندلسي.