فخرج إليه صاحب الدّير ، وهو شيخ كبير هرم ، فوقف بين يديه ودعا له. واستأذنه في أن يأتيه بشيء من طعام الدّيارات ، فأذن له ، فأتاه بأطعمة نظاف ، وإدام في نهاية الحسن والطّيب. فأكل منها أكثر أكل ، وأمره بالجلوس ، فجلس معه يحدّثه ، وهو يشرب.
إلى أن جرى ذكر بني أميّة ، فقال له الرّشيد : هل نزل بك أحد منهم؟ قال : نعم ، نزل بي الوليد بن يزيد ، وأخوه الغمر ، فجلسا في هذا الموضع ، فأكلا وشربا وغنّيا. فلمّا دبّ فيهما السّكر ، وثب الوليد إلى ذلك الجرن ، فملأه وشربه ، وملأه وسقى أخاه الغمر. فما زالا يتعاطيانه حتى سكرا ، وملآه لي دراهم.
فنظر إليه الرّشيد ، فإذا هو عظيم لا يقدر على أن يقلّه ، ولا يقدر على أن يشرب ملأه. فقال : أبى بنو أميّة إلا أن يسبقوا إلى اللّذّات سبقا لا يجاريهم أحد فيه. ثم أمر برفع النّبيذ ، وركب من وقته.
* * *
قلت : والنّاس في اختلاف أين كان دير مرّان. فمن قائل إنه كان بمشارق السّفح ، نواحي برزة. والأكثر على أنه كان بمغاربه ، وأن مكانه الآن المدرسة المعظّميّة (١). وأما الذي كان بمشارق السّفح ، فهو دير السّائمة المسمّى دير صليبا. وقد ذكرناه.
(مسالك الأبصار ، ١ : ٣٥٣ ـ ٣٥٦)
__________________
(١) ذكر المؤرّخ الدمشقي أبو شامة المقدسي بأواسط القرن السابع (ذيل الرّوضتين ، ٢٠٠) :
«المقبرة المعظّميّة بدير مرّان». رغم أن المفترض أن المدرسة المعظّميّة كانت تحت دير سمعان وليس مرّان. فالمتعارف عليه لدى الباحثين بآثار دمشق أن دير مرّان القديم كان يقع على إحدى التّلاع الغربية بقاسيون عند عقبة دمّر ، تحت القمّة التي قامت عليها قبّة السيّار. وفي مفهوم عصرنا إلى الجنوب الغربي من ساحة آخر الخط ، عند موقع قصر تشرين ، بأعلى حديقة تشرين. وكذا أثبته دهمان في مخططه للصّالحية. وراجع قول العمري المتقدّم : ومكانه الآن من المدرسة المعظّمية إلى قريب عقبة دمّر.