وقال الشافعي : عجائب الدنيا خمس : منارة ذي القرنين ، والثانية أصحاب الرّقيم بالرّوم ، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس معلقة على باب مدينتها الكبيرة إذا غاب الرجل من بلادهم على مسافة مائة فرسخ وجاء أهله إليها ، يرون صاحبهم من مسافة مائة فرسخ ؛ والرابعة مسجد دمشق ، والخامسة الرّخام والفسيفساء ، فإنه لا يدرى له موضع. قلت : وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر.
والفسيفساء مصنوع من زجاج يذهّب ثم يطبق عليه زجاج رقيق (١). ومن هذا النوع المسحور. وأما الملوّن فمعجون. وقد عمل منه في هذا الزّمان شيء كثير برسم الجامع الأموي ، وحصّل منه عدّة صناديق ، وفسدت في الحريق الواقع سنة أربعين وسبعمائة ، وعمل منه قبل للجامع التنكزي ما على جهة المحراب.
غير أنه لا يجيء تماما مثل المعمول القديم في صفاء اللون وبهجة المنظر.
والفرق بين الجديد والقديم أنّ القديم قطعه متناسقة على مقدار واحد ، والجديد قطعه مختلفة. وبهذا يعرف الجديد والقديم.
وروى الوليد بن مسلم عن ابن ثوبان قال : ما ينبغي أن يكون أحد أشدّ شوقا إلى الجنّة من أهل دمشق ، لما يرون من حسن مسجدها.
وروى أحمد بن البرامي بسنده عن عبد الرّحيم الأنصاري قال : سمعت الأعراب وهم يدورون المسجد ، يقولون : لا صلاة بعد القليلة. فقيل له : رأيت القليلة؟ قال : نعم ، وهي تضيء مثل السّراج. قلت : من أخذها؟ قال : أما سمعت المثل؟ «منصور سرق القلّة ، وسليمان شرب المرّة» ، منصور الأمير ، وسليمان صاحب الشرطة ، يعني صاحب شرطته. وذلك أن الأمين كان يحب البلّور. فكتب إلى صاحب شرطة متولّي دمشق أن ينفذ إليه القليلة. فسرقها ليلا ، وبعث بها إليه. فلما قتل الأمين ردّ المأمون القليلة إلى دمشق ليشنّع بها على الأمين.
__________________
(١) الفسيفساء يونانية : پسيفيدوتون ، ومنها پسيفوسيس : رقم.