هذه أمّهات الأنهار من بردا وما ينقسم منه (١). على أن كلّ نهر من هذه الأنهار تنقسم منه أنهار كبار وصغار. وتتشعّب من تلك الأنهار جداول ، ثم تتفرّق في البساتين والغيطان لسقي أراضيها وإدارة أرحائها مما لا يكاد يعدّ كثرة.
فأما مسجدها الجامع ، فصيته دائر في الدنيا. كان هيكلا لعبّاد الكواكب ، ثم كنيسة للنّصارى ، إلى أن فتحت دمشق على أيدي أبي عبيدة ابن [ص ١٦٦ ب] الجرّاح وخالد بن الوليد ، رضياللهعنهما. فجرى عليه حكم المناصفة ، فوقع نصفه الشّرقي للمسلمين وبقي نصفه الغربي بأيدي الرّوم إلى خلافة الوليد ابن عبد الملك ، فاستخلصه وأتمّه جامعا للمسلمين.
فهو بيت عبادة من قديم ، وقد ذكرناه فيما تقدّم (٢).
(مسالك الأبصار ، مخطوط متحف
طوپ قاپى ج ٢ ، ق ٣ ، ٤٢٨ ـ ٤٤٠)
__________________
(١) وصف العمري لأنهار دمشق هام جدا على اختصاره ، وبخاصّة ما يذكره عن ثورا. أما حول اشتقاق أسمائها فنقول : بردى بالآرامية البارد ، وبانياس : بانّا أو بانّاس نهر الحمّام ، وتورا الثور ، وقنوات القصب والقني. وهذا خلاف المشتهر المغلوط. أما يزيد فنسبته معروفة ، والمزّاوي والدّاراني نسبة إلى المزّة وداريّا.
(٢) أعود فيما يلي فأنقل هذا النص التفصيلي عن الجامع الأموي ، الذي كان ذكره ابن فضل الله في الجزء الأول من كتابه مسالك الأبصار. غير أنني لم أستفض في بداية النصّ بنقل النصوص المطوّلة التي أتى بها المؤلّف عن المصادر السالفة ، كتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ، وذكر الرّوايات والأساطير القديمة. بل أبقيت على ما له صلة بالتاريخ العمراني والأثري للجامع ، وعلى ما له صلة بمشاهدات العمري الشخصية كرحّالة وجغرافي ، يصف ويكتب عمّا يراه بعينه.