وبها الدّيار الجليلة ، المذهبة السّقوف ، المفروشة بالرّخام ، ومنها ما هو مؤزّر الحيطان بالرّخام المنوّع المفصّل بالصّدف والذّهب ، وبرك الماء الجارية. وقد يجري الماء في الدّار في أماكن (١). وبها الطّباق الرفيعة ، والأفنية [ص ١٦٣ ب] الوسيعة ، والأسواق المليحة التّرتيب ، والقياسر الحصينة.
وبها الصنّاع المهرة في كل فن من البنّائين ، وصنّاع السلاح ، والمصوغ ، والزّركش ، وغبر ذلك. وتعمل بها لطائف الأعمال من كل نوع ، وصنّاعها تفخر على بقية صنّاع هذه المملكة إلا فيما قلّ ، مما بمصر والشّام والعراق والرّوم ، فتستمدّ من لطائفها خصوصا في القسي ، والنّحاس المطعّم ، والزّجاج المذهّب ، وجلود الخراف المدبوغة بالقرظ المضروب بها المثل.
وهي إحدى جنات الدّنيا الأربع. قال [أبو بكر] الخوارزمي : رأيت جنّات الدنيا الأربع ، وكان فضل غوطة دمشق عليها كفضلها على سواها ، كأنها الجنّة على وجه الأرض. حسبما ذكرناه.
وبها البساتين الأنيقة تتسلسل جداولها ، وتفيء دوحاتها ، وتتمايل أغصانها ، وتغرّد أطيارها ، وفي بساتين النّزه بها العمائر الضخمة ، والجواسق العليّة ، والبرك العميقة ، والبحيرات [ط ٢ / ٤٣٧] الممتدّة ، عليها العرش الممدّدة المظلّلة ، تتقابل بها الأواوين والمجالس ، وتحفّ بها الغراس والنصوب المطرّزة بالسّر والملتفّ البرود ، والحور الممشوق القدود ، والرّياحين المتأرّجة الطّيب ، والفواكه الجنيّة ، والثّمرات الشهية ، والبدائع التي تغنيها شهرتها عن الوصف.
__________________
(١) لم يبق بدمشق دور من عهد المماليك ، لكن الوصف ينطبق أيضا على ما بني بعد في العهد العثماني ، فطراز العمارة والإكساء والزّخرفة دام بدمشق متوارثا. ودور دمشق القديمة تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ، لكن ثمّة أمثلة بقيت بها أجزاء مملوكيّة : دار أردبش من مطلع القرن السادس عشر ، أظنّها دار سعيد پاشا القوتلي في الكلّاسة ؛ دار العقّاد بسوق الصّوف ؛ دار بقصر حجّاج ؛ دار ابن فضل الله التالي ذكرها أدناه ؛ دار الكمال الحمراوي (دار الأسطواني اليوم) ؛ تفاصيل بقصر العظم ؛ وسقف خشبي قديم مملوكي بدير عطيّة. وكذلك فثمّة مثال هامّ وفريد على نمط يشبه عمارة القصور الخاصّة بدمشق في عهد المماليك ، يلوح في عمارة المدرسة الجقمقيّة الرّائعة بأناقتها.