وهذا الفصل من كتابه هام لدراسة الشّام ومصر في النصف الأول من القرن الثامن الهجري ، إبّان ذروة النهضة الحضارية لمصر والشّام في عهد دولة المماليك البحرية ، وبخاصّة عهد السّلطان النّاصر محمد ابن المنصور قلاوون ، الذي تسلطن بولايته الثالثة بين ٧٠٩ ـ ٧٤١ ه. وعلى ذلك فهو أول نصّ مفصّل عن القطرين في دولة المماليك الأولى يصلنا من كاتب معاصر لها.
ثم إنه عند كلامه على الشّام ومدنها تحدّث عن دمشق ، وهذا الفصل من أحسن ما وصفت به المدينة في القرن الثامن ، فقد فاق ما كتبه عنها آنذاك النّويري في «نهاية الأرب» ، وشيخ الرّبوة في «نخبة الدهر» ، وأبو الفداء في «تقويم البلدان» ، وابن عبد الحق البغدادي في «مراصد الاطّلاع» ، بل هو فاق ما كتبه ابن بطّوطة في القرن نفسه من بعض النّواحي. ولا يضارعه في جمال صورته وأناقة عبارته إلا ما كتبه أبو البقاء البدري عن دمشق في القرن التاسع.
ونقل العمري عن التّيفاشي في كتابه «سرور النّفس» بعض ما يتعلّق بتاريخ دمشق ، غير أن نص التّيفاشي نفسه منقول عن ابن عساكر ، ولا ندري لماذا لم ينقل عنه رأسا. ثم أضاف إلى ذلك موادا من عنده هي ثمرة معرفته وملاحظته الخاصّة ، فذكر ما فيها من الوظائف ، وخزائن السلاح ، والصّنّاع ، ووصف المباني ، والدّيار ، والبساتين ، والحواضر ، والأنهار ، والقلعة. وكذلك خصّ القصر الأبلق الذي شاده الملك الظاهر بيپرس بوصف دقيق ، ووصفه الشّيّق هذا يعدّ ـ من بعد وصف الحميري ـ أهم وثاني أقدم ذكر له.
هذا وسنرى أدناه أن القلقشندي نقل عن العمري غالب وصفه لدمشق بلفظه ، ولم يضف إليه شيئا ذا شأن رآه هو بنفسه ، رغم أن وفاته تتأخر عن العمري بما يقرب من سبعين عاما. وعلى هذا فإن كثيرا مما ذكره القلقشندي عن البلدان في صبح الأعشى لا يمثّل عصره تماما ، لأنه نقل عمّن سبقه ولم يضف شيئا جديدا. بينما نرى الوصف الذي كتبه العمري عن دمشق ولم ينقله عن غيره غنيا صادقا وأصيلا ، نلمس فيه الدّقة كما تظهر لنا فيه شخصية كاتبه.