__________________
مصروفة إليهم ، وصنائعه مقصورة عليهم ، وهمّته في مجد يشيّده ، وإنعام يحدّده ، وفاضل يصطنعه ، وكلام حسن يصنعه أو يسمعه ، ولمّا كان نادرة عطارد في البلاغة ، وواسطة عقد الدهر في السماحة ، جلب إليه من الآفاق ، وأقاصي البلاد كلّ خطاب جزل ، وقول فصل ، وصارت حضرته مشرعا لروائع الكلام ، وبدائع الأفهام ، وثمار الخواطر ، ومجلسه مجمعا لصوب العقول ، وذوب العلوم ، ودرّر القرائح ، فبلغ من البلاغة ما يعدّ في السحر ، ويكاد يدخل في حدّ الإعجاز ، وسار كلامه مسير الشمس .. إلى أن قال : فإنّه لم يجتمع بباب أحد من الخلفاء والملوك مثل ما اجتمع بباب الرشيد من فحولة الشعراء المذكورين .. إلى أن قال : وجمعت حضرة الصاحب بإصفهان والري وجرجان مثل أبي الحسين السلامي .. ثم عدّد الشعراء ثم قال : ومدحه مكاتبة الشريف الموسوي الرضي ، وأبو إسحاق الصابي وابن الحجّاج ، وابن سكرة ، وابن بنانة ..
ابو حيان التوحيدي والمترجم له
لا يخفى أنّ الفلسفة في زمن المترجم قد خلطت بمباني إلحادية ، من دون تنقيح أو تهذيب ، وكان دخولها في العلوم الإسلامية بترجمتها من اليونانية فتنة ، فالمترجم كان يبغض المتفلسفين وأبو حيّان كان ممّن يتشدق بها ويميل إليها ، فأبعده وجفاه كما ذكر ذلك في لسان الميزان ٤١٣/١ برقم ١٢٩٥ في طي ترجمة الصاحب فقال : وكان يبغض من يميل إلى الفلسفة ولذلك أقصى أبا حيّان التوحيدي فحمله ذلك على أن جمع مصنّفا في مثالبه أكثره مختلق.
وقال ياقوت في معجم الادباء ١٨٦/٦ : فإنّ أبا حيّان كان قصد ابن عبّاد إلى الري فلم يرزق منه ، فرجع عنه ذامّا له ، وكان أبو حيّان مجبولا على الغرام بثلب الكرام ، فاجتهد في الفضّ من ابن عبّاد ، وكانت فضائل ابن عبّاد تأبى إلاّ أن تسوقه إلى المدح ، وإيضاح مكارمه ، فصار ذمّه له مدحا.
وقال السيوطي في بغية الوعاة : ١٩٧ : وأمّا أبو حيّان التوحيدي فإنّه أملى في ذمه وذمّ ابن العميد مجلّدة سمّاها سلب [كذا] الوزيرين ، لنقص حظ ناله منه.
وفي الوافي بالوفيات ١٣٧/٩ ـ ١٣٨ بعد أن ذكر عن أبي حيّان بعض ما ثلب به المترجم قال : قلت : وعلى الجملة ، من رجالات الوجود وأين آخر مثله؟ ولكن أبو حيّان زاد في التمالى عليه لنقص حظّ ناله منه ، فتمحّل له مثالب وادّعى له
![تنقيح المقال [ ج ١٠ ] تنقيح المقال](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4584_tanqih-almaqal-10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
