ثم ان تزكية الرواة و جرحهم في كتب الرجال يتاتى من سبر حياتهم و معرفة اقوالهم و افعالهم و ما قيل فيهم، و يحصل من ذلك وثاقتهم تارة و حسن الرجل أخرى، و ضعفه و جهالته ثالثة، كما قاله ابو علي في رجاله: ١٥ - الجهة الثالثة - و غيره، أو ذكر واحد أو أكثر من هذه الوجوه...
و لا شبهة في مشروعيته بل لزومه و ضرورته، و ليس بغيبة لما فيه من حفظ السنّة و صيانتها عن الدخيل و الوضع، بل هو من النصيحة للّه و رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و المسلمين - على حد تعبير النووي في شرح صحيح مسلم:
٦٠ - بل له آثار عظيمة في الشرع من قبول شهادته و الصلاة خلفه و قضائه و اجتهاده و غير ذلك.
و كان هذا العلم قديما بقدم الرواة و الأصحاب، و كان السؤال عنهم في حياتهم العلمية و العملية و ميولهم الشخصية و سلوكهم الاجتماعي و كل ما يمتّ الى شئونهم العامة، و لم تكن ثمّة محاباة فيه و لا لومة لائم عليه.
و ليس الجرح و التعديل بيان سيرة الرجل و سلوكه و لا ترجمة خصوصياته الشخصية التي لا تهم الناقد، بل المتوخى فيه هو معرفة مدى وثاقته و ضبطه و النظر فيه الى الجانب الحديثي المهم عندهم اولا و آخرا.
و عرف جماعة من النقّاد في سيرهم العملي بالنزاهة و الأمانة و الدقة في الحكم، و الأدب في الجرح، و انّما يقبل ذاك ممّن كان تقيا ورعا صادقا غير متهم و لا متعصب، عارفا باسباب الجرح و التعديل.
ثم ان التعارض بين الجرح و التعديل تارة على سبيل التباين الكلي، و أخرى عموم مطلق، و ثالثة عموم من وجه، و كل منهما اما من باب تعارض النص مع النص، أو الظاهر مع الظاهر، أو بالتخالف، و كل منها قد يكون على سبيل تعارض المثبتين أو النافيين أو بالتخالف، و النفي اما بعدم الوجدان، أو وجدان العدم، فترتفع القسمة الى اقسام عديدة جدا، و لها فروع تجدها في المطولات
![مقباس الهداية في علم الدراية [ ج ٦ ] مقباس الهداية في علم الدراية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4569_Meqbas-Hedayah-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
