فقال أبو عبد الله عليهالسلام : أنا فرع من فروع الزيتونة ، وقنديل من قناديل بيت النبوة ، وسليل الرسالة ، وأديب السفرة ، وربيب الكرام البررة ، ومصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور ، وصفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر .
فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال : قد أحالني على بحر مواج لا يدرك طرفه ولا يبلغ عمقه ، تغرق فيه السبحاء ، ويحار فيه العلماء ، ويضيق بالسامع عرض الفضاء ، هذا الشجا المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يحل قتله ولا يجوز نفيه ، ولولا ما تجمعني وإياه من شجرة مباركة طاب أصلها وبسق فرعها وعذب ثمرها ، بوركت في الذر وتقدست في الزبر ، لكان مني إليه ما لا يحمد في العواقب ، لما يبلغني من شدة عيبه لنا ، وسوء القول فينا .
فقال أبو عبد الله عليهالسلام : لا تقبل في ذي رحمك وأهل الدعة من أهلك قول من حرم الله عليه الجنة وجعل مأواه النار ، فإن النمام شاهد زور وشريك إبليس في الإغراء بين الناس ، وقد قال الله تبارك وتعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ) (۱) الآية ، ونحن لك أنصار وأعوان ، ولملكك دعائم وأركان ، ما أمرت بالمعروف والإحسان ، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن وأرغمت بطاعتك أنف الشيطان ، وإن كان يجب عليك في سعة فهمك وكرم حلمك ، ومعرفتك بآداب الله أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، فإن المكافىء ليس بالواصل ، إنما الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها ، فصل يزد الله في عمرك ويخفف عنك الحساب يوم حشرك .
فقال أبو جعفر المنصور : قد قبلت عذرك لصدقك ، وصفحت عنك
____________________
(١) الحجرات ٤٩: ٦.
![كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار [ ج ٣ ] كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4545_Kashf-Astar-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
