ثم بلغ الأمر في آخر أيامه إلى ما هو أعظم من ذلك ، فكيف يتصور من ابن الجنيد في مثل ذلك الوقت أن ينكر ضرورياً من ضروريات المذهب ، ويصنف في ذلك كتاباً يبطل فيه ما هو معلوم عند جميع الشيعة ، ولا يكتفي بذلك حتى يسمي من خالفه فيه أغماراً وجهالاً ، ومع ذلك فسلطانهم مع علمه وفضله يسأله ويكاتبه ويعظمه .
ولولا قيام الشبهة والعذر في مثله لامتنع مثله بحسب العادة .
وأيضاً فقد ذكر اليافعي وغيره أن معز الدولة أحمد بن بويه توفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة ، وهذا يقتضي أن يكون ابن الجنيد من رجال الغيبة الصغرى ، معاصراً للسفراء .
بل ما ذكره النجاشي والعلامة من أمر السيف والمال ، قد يشعر بكونه وكيلاً ، ولم يرد فيه مع ذلك من الناحية المقدسة ذم ولا قدح ، ولا صدر من السفراء عليه اعتراض ولا طعن .
فظهر أن خطأه في أمر القياس وغيره ــ في ذلك الوقت ــ كان كالخطأ في مسائل الفروع ، التي يعذر فيها المخطىء ، ولا يخرج به عن المذهب .
ومما ذكرناه يعلم أن الصواب اعتبار أقوال ابن الجنيد ومذاهبه في تحقيق الوفاق والخلاف ، كما عليه معظم الأصحاب ، وأن ما ذهب إليه من أمر القياس ونحوه لا يقتضي إسقاط كتبه ، ولا عدم التعويل عليها ، على ما قاله الشيخ (رحمهالله ) .
فإن اختلاف الفقهاء في مباني الأحكام لا يوجب عدم الاعتداد بأقوالهم ، لأنهم قديماً وحديثاً كانوا مختلفين في الأصول التي تبنى عليها الفروع ، کاختلافهم في خبر الواحد ، والاستصحاب ، والمفاهيم وغيرها من أصول الفقه ، حتى لا تجد منهم اثنين متوافقين في جميع مسائل الأصول ، ومع ذلك فقد اتفقوا على اعتبار الأقوال والمذاهب المبتنية على الأصول التي أبطلوها
![كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار [ ج ٣ ] كشف الأستار عن وجه الكتب والأسفار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4545_Kashf-Astar-part03%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
