(حتّى) بمعنى لام التعليل ، قال : «أن يكونَ (حتّى) بمعنى (اللامِ) ، أي : إنَّه لم يُنْطِقْ مادحَه حتّى يَقْصِدَ إسكاتَه بهَرَبِه ، فإنّ إسكاتَ المادحِ لا يُتَصَوَّرُ قصدُهُ لو قُصِدَ إلاّ بعد إنطاقِه ، وهو لم يُتمِّمْ فعلَهُ الذي يَطْلُبُ به إنطاقَ مادحِه بمدحِهِ مِنَ الكَرَمِ والحميَّةِ والرقَّةِ ونحوِها ، فكأنَّه قَصَدَ إسكاتَ مادحِه بهروبِه ، فأزوى عليه ذلك ، وقال : إنَّه لم يُنْطِقْهُ بِمدحِه ، فكيفَ يَقْصِدُ إسكاتَه بهروبِه ، وإنْ كانَ العاقلُ لا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ قَصْدُ إسكاتِ مادحِه عَنْ مَدْحِهِ إلاّ أنّ لاختيارِه الهروبَ المستلزمَ لإسكاتِ المادحِ ، صارَ كالقاصدِ له فَنُسِبَ إليه»(١) ، ومعنى ذلك : أنّ البحراني أخرج (حتّى) على العطف الدالّ على التعليل والبيان ، وهو متحقِّقٌ بالفاء العاطفة. والاحتمال الآخر : يُفهم منه العطفُ فقد «جمع بين غايتين متنافيتين : إنطاقه لمادحه بفداء الأسرى ، مع إسكاته بهربه قبل تمام إنطاقه ، وهو وصفٌ له بسرعة إلحاقه لفضيلته برذيلته ، حتّى كأنَّه قَصَدَ الجمْعَ بينهما ، وهو كما تقول في وصف سرعة تفرُّق الأحبابِ عن اجتماعهم : ما اجتمعوا حتّى تفرّقوا ، أي : لسرعة افتراقِهم ، كأنّ الدهرَ قد جَمَعَ لهم بين الاجتماع والافتراق»(٢) ، ويُفهَم من كلامه هذا أنّ (حتّى) بمعنى الواو العاطفة ، وتابعه في ذلك علي أنصاريان(٣). ووجّه (حتّى) الثانية في (ولا صدَّق واصفه حتّى بكّته) التوجيه نفسه. ووجّه محمّد جواد مغنية دلالة (حتّى) على العطف مع اختلاف الفعلين (نطق ، وأسكت) و (صدَّق ، وبكَّت) بأنّ هذا الاختلاف مرادٌ ، لاختلاف الغايتين المقصودتين في هذا
__________________
(١) شرح نهج البلاغة ٢ / ١٥٩.
(٢) المصدر نفسه ٢ / ١٥٩ ـ١٦٠.
(٣) ينظر : شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار ١ / ١٦٥.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٢ ] [ ج ١٤٢ ] تراثنا ـ العدد [ 142 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4528_turathona-142%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)