كتاب الله ، من يطلع دفائنها ويخرج خزائنها ويعرضها عرض الصيرفي الخبير والناقد البصير ؟
وهذه الاستعمالات القرآنية العجيبة من يجد لها فى لغة العرب ما جرى القرآن على مسنونه ، حتى لا يكون هذا الكتاب الكريم بدعا مما اعتادته العرب من وجوه الكلام ؟ .
وهذه المجازات القرآنية من يميط اللثام عن حقيقتها ، ويزيح الشّبه الناجمة من سوء فهمها ؟ ألم يفهم قوم من قوله تعالى : ﴿ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾ معنى التناسخ. مع أن الله ـ كما يقول ابن قتيبة فى تأويل مشكل القرآن ـ لم يرد فى هذا الخطاب إنسانا بعينه ، وإنما خاطب جميع الناس كما قال : ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا ﴾ كما يقول القائل : يا أيها الرجل ! وكلكم ذلك الرجل. فأراد أنه صوّرهم وعدّلهم فى أي صورة شاء ركّبهم من حسن وقبح ، وبياض وسواد ، وأدمة وحمرة.
وهذه الاستعارات القرآنية من يكشف عن حقيقتها فيبين أن ظاهر اللفظ لم يقصد ، وإنما قصد غيره لعلاقة ؟ ففي قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ﴾ لم يقصد ظاهر الكلام من الكشف عن السوق حقيقة ، [ وإنما المقصود أنه يكشف عن شدة من الأمر ـ كما قال قتادة ـ أو عن أمر عظيم كما قال إبراهيم النخعي. وأصل هذا أن الرجل إذا وقع فى أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه شمّر عن ساقه. فاستعيرت الساق فى موضع الشدة ] (١)
وفى قوله تعالى : ﴿ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴾ من الذي يبين لنا أنه المقصود ليس تطهير الثياب حقيقة وإنما القصد تطهير النفس من الذنوب ، فكنى عن الجسم بالثياب لأنها تشتمل عليه ؟ (٢) ثم قد تكون الثياب هنا بمعنى الأزواج ، لأنّ الله قال فى آية أخرى عن الأزواج : ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ واللباس والثياب بمعنى واحد ، فكأنه تعالى أمر النبي
__________________
(١) تأويل مشكل القرآن. لابن قتيبة ص ١٠٣.
(٢) المصدر السابق ص ١٠٧.
