وقوله سبحانه : ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي ، يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ [٢٧] ، [٢٨] وهذه استعارة. والمراد بها إزالة لفف (١) كان فى لسانه ، فعبر عنه بالعقدة. وعبر عن مسألة إزالته بحل العقدة ، ملاءمة بين النظام ، ومناسبة بين الكلام.
وقد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك إزالة التقية عن لسانه وكفايته سطوة فرعون وغواته ، حتى يؤدى عن الله سبحانه آمنا ، ويقول متمكنا ، فلا يكون معقود اللسان بالتقية ، ومعكوم الفم بالخوف والمراقبة. وذلك كقول القائل : لسان فلان معقود : إذا كان خائفا من الكلام. ولسان فلان منطلق : إذا كان مقداما على المقال.
وقوله سبحانه : ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴾ [٣٩] . وفى هذه الآية استعارتان. إحداهما قوله سبحانه : ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ وليس المراد أن هناك شيئا يلقى عليه فى الحقيقة ، ولكن المعنى أننى جعلتك بحيث لا يراك أحد إلا أحبك ، ومال قلبه نحوك ، حتى أحبك فرعون وامرأته ، فتبنّياك وربّياك ، واسترضعا لك ، وكفلاك. وهذا كقول القائل : على وجه فلان قبول. وليس هناك على الحقيقة شىء يوما إليه. إلا أن كل ناظر ينظر إليه يقبله ، قلبه وتسر به نفسه.
والاستعارة الأخرى قوله سبحانه : ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ﴾ والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ أن تتربى بحيث أرعاك وأراك. وليس أن هاهنا شيئا يغيب عن رؤية الله سبحانه ، ولكن هذا الكلام يفيد الاختصاص بشدة الرعاية ، وفرط الحفظ والكلاءة (٢) . ولما كان الحافظ للشيء فى الأغلب يديم مراعاته بعينه ، جاء تعالى باسم العين بدلا من ذكر الحفظ والحراسة ، على طريق المجاز والاستعارة.
__________________
(١) اللفف : التواء عصب فى اللسان يعطله عن الكلام.
(٢) فى الأصل « والكلاية » والصواب همزها.
