ويقول العربي لغيره : أنت منى بمرأى ومسمع. يريد بذلك أنه متوفر عليه برعايته ، ومنصرف إليه بمراعاته.
وقوله سبحانه : ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ [٤١] وهذه استعارة. والمراد بها : واصطنعتك لتبلغ رسالتى ، وتنصرف على إرادتى ومحبتى ، وقال بعضهم : معنى لنفسى هاهنا : أي لمحبتى. وإنما جاز أن يوقع النفس موقع المحبة لأن المحبة أخص شىء بالنفس ، فحسن أن تسمى بالنفس. وقد (١) يجوز أن يكون ذلك على معنى قول القائل : اتخذت هذا الغلام لنفسى ، أي جعلته خاصا لخدمتى ، لا يشاركنى فى استخدامه أحد غيرى. وسواء قال : اتخذته أو اتخذته لنفسى ، فى فائدة الاختصاص ، ليس أن هناك شيئا يتعلق بالنفس على الحقيقة.
وقوله سبحانه : ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ [٥٠] وهذه استعارة على أحد التأويلين. والمراد بها ـ والله أعلم ـ أنه أكمل لكل شىء صورته ، وأتقن خلقته ، وهذا يعم كلّ مصوّر من حيوان وجماد وغير ذلك. فلا معنى لحمل من حمله على الحيوان فقط.
وعندى فى ذلك وجه آخر ، وإن كان الكلام يخرج به من باب الاستعارة. وهو أن يكون فى الكلام تقدير وتأخير. فكأنه سبحانه قال : ربّنا الذي أعطى خلقه كل شىء ، ثم هداهم إلى مطاعمهم ومشاربهم ، ومناكحهم ، ومساكنهم وغير ذلك من مصالحهم. ويكون ذلك نظير قوله تعالى : ﴿ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ﴾ (٢) . ويكون المراد أنه سبحانه أعطى خلقه فى أول خلقهم
__________________
(١) فى الأصل « فقد » ولا معنى للعطف بالفاء هنا.
(٢) سورة إبراهيم. الآية رقم ٣٤.
