بمعنى زال سلطانه عن رعيته. ويقولون : أخذت هذا الأمر باليد. أي بالسلطان. فالحجج التي جاء بها الأنبياء أممهم قد تسمى أيديا على ما ذكرناه ، فلما وصف الكفار على هذا التأويل بأنهم ردّوا أيدى الأنبياء ـ عليهمالسلام ـ فى أفواههم ، كان المراد بذلك ردّ حججهم من حيث جاءت ، وطريق مجيئها أفواههم ؛ فكأنهم ردّوا عليهم أقوالهم ، وكذّبوا دعواهم.
وفى هذا التأويل بعد وتعسّف ، إلا أننا ذكرناه لحاجتنا إليه ، لما ذهبنا مذهب من حمل قوله سبحانه : ﴿ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ على الاستعارة لا على الحقيقة.
فإذا حملت الآية على حقيقة الأيدى التي هى الجوارح كان المراد بها مختلفا (١) فيه. فمن العلماء من قال : المراد بذلك أنهم كانوا يعضّون أناملهم تغيظا (٢) على الرسل عليهمالسلام ، كما يفعل المغيظ المحنق ، والواجم المفكر.
وقال بعضهم : المراد بذلك أن المشركين أومئوا إلى أفواه الأنبياء ، بالتسكيت لهم ، والقطع لكلامهم.
وقال بعضهم : بل المراد بذلك ضرب من الهزء (٣) يفعله المجّان والسفهاء ، إذا أرادوا الاستهزاء ببعض الناس ، وقصدوا الوضع منه ، والإزراء عليه. فيجعلون أصابعهم فى أفواههم ويتبعون هذا الفعل بأصوات تشبهه وتجانسه ، يستدل بها على قصد السخف ، وتعمد الفحش. وهذا عندى بعيد من السداد ، وغيره من الأقوال أولى منه بالاعتماد.
__________________
(١) فى الأصل : مختلف فيه. وهو تحريف من الناسخ.
(٢) فى الأصل : تغيضا بالضاد المعجمة لا بالظاء المعجمة.
(٣) الهزء بفتح الهاء والهزء بضمها : السخرية.
