وقوله سبحانه : ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ، إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ ﴾ [٤٨] . وهذه استعارة. والمراد بالسّبع الشداد : السّنون المجدبة. ومعنى ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾ ، أي ينفد فيهن ما ادخرتموه لهن من السنين المخصبة.
وجرى على ذلك عادة العرب فى قولهم : أكلت آل فلان السّنة. يريدون مسّهم الضر فى عام الجدب ، وزمان الأزل (١) . حتى كأنهم ليسمون السنة المجدبة : الضّبع. فيقولون : أكلتهم الضّبع. أي نهكتهم سنة الجدب.
وقال بعضهم : إنما نسب تعالى الأكل إليهن لأن الناس يأكلون فيهن ما ادخروه ، ويستنفدون ما أعدوه. كما يقال : يوم آمن. وليل خائف. أي يأمن الناس فى هذا ، ويخافون فى هذا.
وقوله سبحانه : ﴿ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ (٢) [٥٢] . [ وهذه استعارة. لأنه تعالى أقام كيد الخائنين ] (٣) مقام الخابط فى طريق ، ليصل إلى مضرة المكيدة وهو غافل عنه. فأعلمنا سبحانه أنه لا يهديه ، بمعنى لا يوفقه لإصابة الغرض ، ولا يسدده لبلوغ المقصد ، بل يدعه يخبط فى ضلاله ، ويتسكع فى متاهه ، لأنه كالسّارى فى غير طاعة الله ، فلا يستحق أن يهدى لرشد ، ولا يتسدد لقصد.
وقوله سبحانه : ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ، إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾ [٥٣] . وهذه استعارة. لأن النفس لا يصحّ أن تأمر على الحقيقة.
__________________
(١) الأزل : الضيق والشدة والداهية.
(٢) أصل الآية كاملة : ﴿ ذَٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾ .
(٣) كرر الناسخ هذه العبارة المحصورة بين حاصرتين مرة أخرى فى أثناء النسخ.
