فلما جعله بمنزلة الداعي جعل الديكة بمنزلة القوم المدعوّين ، وجعلهم أسرة له ، وأسرة الرجل قومه ورهطه. والمعازيل الذين لا سلاح معهم. فكأنه جعله مستنصرا من لا نصرة له ولا غناء عنده. وقريب من ذلك قوله تعالى : ﴿ فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾ (١) على أحد القولين. فكأنه سبحانه ردّ خاضعين إلى أصحاب الأعناق لا إلى الأعناق ، لأن الخضوع منهم يكون على الحقيقة.
وقد يجوز أيضا أن يكون قوله فى ذكر الكواكب والشمس والقمر : ﴿ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ ﴾ إنما حسن على تأويل تلك الرؤيا. وتأويلها يتناول من يعقل من إخوة يوسف وأبويه. فجرى الوصف على تأويل الرؤيا ، ومصير العقبى. وهذا موضع حسن ، ولم يمض لى كمن (٢) تقدم.
وقوله سبحانه : ﴿ وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ﴾ [١٨] وهذه استعارة. لأن الدم لا يوصف بالكذب على الحقيقة. والمراد بذلك ـ والله أعلم ـ بدم مكذوب فيه ، والتقدير بدم ذى كذب. وإنما يوصف الدم بالمصدر الذي هو ( كذب ) على طريق المبالغة. لأن الدعوى التي (٣) علقت بذلك الدم كانت غاية فى الكذب.
وقال بعضهم : قد يجوز أيضا أن يكون « كذب » هاهنا صفة لقول محذوف يدلّ عليه الحال. فكأنّ التقدير : وجاءوا على قميصه بدم ، وجاءوا بقول كذب ، إذ كانت إشارتهم إلى آثار الدم فى القميص قد صحبها قول منهم يؤكد تلك الحال ، وهو قولهم : ﴿ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ ﴾ [١٧] . والقول الأول
__________________
(١) سورة الشعراء. الآية رقم ٤.
(٢) هكذا بالأصل. وصوابه كما تقدم.
(٣) فى الأصل « الذي » وهو خطأ ، فالدعوى مؤنثة لا مذكرة. وهو تحريف من الناسخ.
