وفى هذا الكلام أيضا فائدة أخرى لطيفة. وهو أن قوله سبحانه : ﴿ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾ . أبلغ من قوله : يا أرض اذهبي بمائك. لأن فى الابتلاع دليلا (١) على إذهاب الماء بسرعة. أ لا ترى أن قولك لغيرك : ابلع هذا الطعام ، أبلغ من قولك له : كل هذا الطعام ، إذا أردت منه إيصاله إلى جوفه بسرعة ؟ وكذلك الكلام فى قوله سبحانه : ﴿ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ﴾ . لأن لفظ الإقلاع هاهنا أبلغ من لفظ الانجلاء. لأن فى الإقلاع أيضا معنى الإسراع بإزالة السحاب ، كما قلنا فى الابتلاع. وذلك أدلّ على نفاذ القدرة ، وطواعية الأمور ، من غير وقفة ولا لبثة ، هذا إلى ما فى المزاوجة بين اللفظين من البلاغة العجيبة ، والفصاحة الشريفة. إذ يقول سبحانه : يا أرض ابلعي ، ويا سماء أقلعى : ومثل هذا فى القرآن أكثر من أن يشار إليه.
وقوله سبحانه : ﴿ وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [٥٨] . وهذه استعارة. لأن العذاب فى الحقيقة لا يوصف بالغلظ والدقة ، لأنه الألم الذي يلحق الحي فى قلبه أو جسمه. وإنما وصفه تعالى بالغلظ على طريقة كلام العرب ، لأنهم يصفون الأمر الهين بالضئولة والدقة ، كما يصفون الأمر الشاق بالغلظ والشدة ، حملا لذلك على عرفهم فى المراعاة للشيء الغليظ الكثيف ، وقلة الحفل بالشيء الدقيق الضئيل. أ لا ترى إلى قولهم : عرض فلان دقيق ، وقدره ضئيل ؟ وإلى قولهم فى مقابلة ذلك : لقى فلان فلانا بكلام غليظ ، وقول ثقيل.
وقد يجوز أيضا ـ والله أعلم ـ أن يكون المراد بعذاب غليظ هاهنا الصفة لعذاب الآخرة. والعذاب إنما يقع بالآلات المستعظمة والأعيان (٢) المستفظعة ، مثل مقامع الحديد ، والحجارة
__________________
(١) فى الأصل « دليل » بالرفع وهو تحريف من الناسخ ، لأنه اسم أن مؤخرا فهو واجب النصب.
(٢) فى الأصل « كالأعيان » . ولا محل للتشبيه هنا بعد أن مثل بمقامع الحديد والحجارة المحماة بعد ذلك.
