لهم من رحمته ، لكفرهم وذهابهم عن أمره. ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى : (١) ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ . أي خيبة من الرحمة ، وارتكاسا فى النقمة. وقد جاء لفظ الإغواء والمراد به التخييب فى كثير من منثور كلامهم ، ومنظوم أشعارهم.
ويجوز أن يكون الإغواء هاهنا بمعنى الإهلاك لهم. ويجوز أن يكون بمعنى الحكم بالغواية عليهم.
وقوله سبحانه : ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ [٣٧] . وهذه استعارة. ومعناها : واصنع الفلك بأمرنا ، ونحن نرعاك ونحفظك. ليس أنّ هناك عينا تلحظ ، ولا لسانا يلفظ. وذلك كما يقول القائل : أنا بعين الله. أي بمكان من حفظ الله. ومن كلامهم للظّاعن المشيّع والحميم المودّع : صحبتك عين الله. أي رعاية الله وحفظه.
وقوله سبحانه : ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ [٤٤] . الآية. وهذه استعارة. لأن الأرض والسماء لا يصح أن تؤمرا وتخاطبا. لأن الأمر والخطاب لا يكونان إلا لمن يعقل ، ولا يتوجهان إلا لمن يعى ويفهم. فالمراد إذن بذلك : الإخبار عن عظيم قدرة الله سبحانه ، وسرعة مضى أمره ، ونفاذ تدبيره. نحو قوله : ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ (٢) . وهذا إخبار عن وقوع أوامره من غير معاناة ولا كلفة ، ولا لغوب ولا مشقة.
__________________
(١) سورة مريم الآية رقم ٥٩.
(٢) سورة النحل. آية رقم ٤٠.
