اللسان على الفؤاد دليلا وقالت المعتزلة فى بطلان مذهبهم بانه اذا صدر من المتكلم خبر فهناك ثلاثة اشياء احدها العبارة الصادرة عنه وثانيها علمه بثبوت النسبة او بانتفائها بين طرفى الخبر وثالثها ثبوت تلك النسبة او انتفائها فى الواقع والاخير ان ليسا كلاما اتفاقا منا ومنكم فتعين الاول فهو الكلام اللفظى واذا صدر عنه امر او نهى فهناك شيئان احدهما لفظ صادر عنه والآخر ارادة او كراهة قائمة بنفسه متعلقة بالمامور به او المنهى عنه وليست الارادة والكراهة ايضا كلاما حقيقيا اتفاقا فتعين اللفظ والحاصل ان مدلول الكلام اللفظى الذى يسميه الاشاعرة نفسيا ليس امرا زائدا للعلم فى الخبر والارادة فى الامر والكراهة فى النهى فاين الكلام النفسى الذى ادعيتم ثبوته واما ما تمسكوا لهم من شعر الشاعر فاما اعتقاده ثبوت الكلام النفسى تقليدا واما لان المقصود الاصلى من الكلام هو الدلالة على ما فى الضمائر وبهذا الاعتبار سمى كلاما مجازا من قبيل اطلاق الدال على المدلول وحصره فيه تنبيها على آلة ليتوصل بها اليه فكانه فهو المستحق لاسم تلك الدلالة وللاشاعرة هنا كلمات واهية غير ملتفت اليها ومن شاء الاطلاع عليها فليرجع الى موضعها قوله دام ظله العالى فلا يكون دليلا فى الاصطلاح قال دام ظله العالى فى الحاشية الدليل على اصطلاح الاصوليين هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه الى مطلوب خبرى فاذا كان الخطاب هو المبيّن للكلام النفسى والمظهر له اولا من دون سبق (١) اطلاع عليه لا اجمالا ولا تفضلا فاين المطلوب الخبرى الذى يعمل النظر فى الكتاب لتحصيله فلا بد ان يسبق الدعوى على الدليل ولو سبقا حمليا حتى يطلب من الدليل وقال ايضا بعد ذلك ولا باس ان توضح تعريف الدليل هنا فنقول ان مصطلح الاصوليين فيه مخالف لاصطلاح المنطقيين فانهم يشترطون بالدليل تركب القضايا والاصوليون يطلقونه عليه وعلى المفردات التى يمكن التوصل بالنظر الصحيح فيها الى المطلوب الخبرى سواء كانت قضية واحدة او غيرها فالعالم عند الاصوليين دليل على اثبات الصانع وعند المنطقيين العالم حادث وكل حادث له صانع ولذلك تريهم يريدون بالادلة الفقهية الكتاب والسنة ونحوهما وقيد الامكان لادخال الدليل الذى غفل عنه فلا يشترط فعلية التوصل فى اطلاق الدليل عليه وقيد الخبرى لاخراج الحد واما (٢) عند المنطقيين فهو قولان فصاعدا يستلزم لذاته قولا آخر فلذلك يختص بالبرهان لعدم استلزام غيره شيئا لذاته لعدم العلاقة بين المقدمات الظنية ونتائجها فقد يزول الظن ويبقى سببه كما نشاهد فى حصول الظن بنزول الغيث بملاحظة الغيم الرطب ثم يظهر خلافه مع بقائه وبكون القاضى فى الحمام بملاحظة كون مركبه واقفا على الباب ثم يظهر خلافه وقد يسقط قيد الاستلزام ويقال قولان فصاعدا يكون عنه آخر ليدخل الصناعات الخمس البرهانيات والحديثات والخطابيات والشعريات والمغالطات واورد على ذلك بان الاستلزام لا يتوقف على توقف الملزوم ولا اللازم وكيف لا واستلزام القياس الصحيح الصورة للنتيجة قطعى فالمعنى انه لو تحقق الاول لتحقق الثانى وهذا يشمل جميع الصناعات وما ادرجه المنطقيون فى تعريف القياس من قولهم متى سلمت استلزم قولا آخر تنبيه على عدم اشتراط مسلمية المقدمات فى تحقق القياس من حيث هو انتهى كلامه دام افادته اقول وهو كما ذكره لمكان كلمة متى لانها من اسماء الشرط محققا كان او مقدرا هذا ولكن لا يخفى ان هذا التعريف لبعض المنطقيّين واما الآخرون فعرفوه بانه قول مؤلف من قضايا لزم عنها قول آخر نظير ما ذكر هنا فالمتبادر من هذا ان تلك القضايا صادقة فى انفسها مع ما يلزمها من النتيجة فخرج عنه القياس الكاذبة المقدمات ولما نظر المحققون منهم ان هذا لا يلائم بتقسيم القياس الى الصناعات الخمس لخروج ما سوى البرهان من القياس عنه فزادوا اقوالهم متى سلمت عليه ثم قال دام ظله العالى بعد تلك الحاشية ثم ان اطلاق الاصوليين الدليل على المفرد كالعالم مجرد اصطلاح وإلّا فلا يمكن اثبات المطلوب الخبرى الا بمقدمتين فان الدليل من حيث انه يتوصل به الى ثبوت المحكوم به للمحكوم عليه لا بد فيه من ملزوم للمحكوم به يكون ثابتا للمحكوم عليه ليثقل الذهن منه الى المحكوم عليه ويلزم من ثبوت ذلك الملزوم للمحكوم عليه ثبوت لازم له فالقضية المشعرة باللزوم هى الكبرى والاخرى الدالة على ثبوت الملزوم للمحكوم عليه هى الصغرى واعتبار المقدمتين فى تعريف المنطقيين مصرح به
__________________
(١) الصفة الى الموصوف اى ما ينظر الصحيح فيه منه عفى عنه.
(٢) اى كقول الشارح لان المراد بالخبرى هو التصديقى فاختص التعريف بالحجة فقط كما لو قيد بالتصورى بدلا عن الخبرى لا اختص ما يقول الشارح ولو اطلقنا ليشمله تقدير منه على عنه.
