ظهر فى هذا المقام ان للواجبات اقسام منها ما وقع الخطاب به اصلا كونه مقلوبا ومقصودا بالذات للامر من غير ان يكون وجوبه للوصول الى الغير كالصلاة والصوم وامثالها كالعبادات التوقيفية المشروطة بالنية الغير المجتمعة مع الحرام مع عدم جواز قيام فعل الغير مقامه ايضا لان فى خصوصية فعل المامور مدخلية فى الامتثال عند الامر فلذلك لا يسقط التكليف بفعل الغير ولا يخرج عن العهدة كما لا يخفى ومنها ما يكون وجوبه من جهة الوصول الى الغير من غير ان يتعلق به خطاب قصدا بل الخطاب به تبعيته الخطاب الاصلى الآخر كوجوب المقدمة وهو المسمى بالواجب التوصلى التبعى الذى من لوازم الوجوب المدلول عليه بالخطاب الاصلى الغير المشترط بالنية فى الفعل مع جواز اجتماعه مع الحرام من غير ترتب العقاب على تركه بل العقاب المترتب عليه انما هو من جهة ترك اصل الواجب لا من جهة ترك ما لا يتم الواجب إلّا به وهذا هو مختار الاستاد دام ظله بل مختار جمع من المحققين ايضا على ما سيأتي ومنها ما يكون متعلقا للخطاب اصلا وكون من جهة الوصول الى الغير وهو المسمّى بالوجوب الاصلى التوصلى وهو تصور على وجهين احدهما معلومة الحكمة والعلة بمعنى ان المكلف يعلم ان الغرض من هذا الا الخطاب وفائدة امر الآمر به ليس الا من جهة الوصول الى الغير وحصول ذلك الغير وذلك وإن كان تاركه مستحقا للعقاب والمذمة من جهة تعلق الخطاب به اصلا وجاز نياته فعل الغير مناف فعل المكلف وبه يسقط التكليف ويخرج عن العهدة من جهة كون وجوبه توصليا وحصول ما هو المقصود وللامر كغسل الثوب النجس وانقاذ الغريق واطفاء الحريق فانه معلوم ان المقصود من وجوب الغسل والانقاذ والاطفاء ليس الا الاتيان بالصلاة فى الثوب الطاهر واستخلاص النفس المحترمة لان حصل ما لا يتم الواجب إلّا به حصل به بفعل الغير ايضا غاية الامر عدم الثواب له ح الا ان ينوى ذلك ثم تاب عنه فعل الغير فالثواب ح من جهة قصد الاطاعة كما لا يخفى وثانيهما غير معلوم العلة والحكمة بمعنى انه وان علم ان المراد به هو الوصول الى الغير ولكن لا يعلم علته تخصيص المقدمة باشتراط الواجب وتوقفه عليها كالوضوء والغسل بالنسبة الى الصّلاة وامثالهما مما يجتمع فيه التوصلية والتوفيقية بالاعتبارين وقد عرفت ان عدم جواز مثل ذلك الواجب مع الحرام واتيانه على الوجه المنهى عنه وعدم جواز فعل الغير مقامه وعدم خروج المكلف عن العهدة بسبب فعل الغير انما هو من جهة التوقيفية اذا عرفت ذلك فاعلم ان القدر المسلم فى وجوب المقدمة هو الوجوب التبعى التوصلى فالقائل بالوجوب ان اراد هو ايضا ذلك كما هو صريح بعض القائلين بالوجوب ففى الثمرات التى اخذها فى محل النزاع محل تامل وان اراد وجوب آخر ايضا غير الوجوب المذكور مستفادا من الخطاب الاصلى بمعنى كونها واجبة فى حد ذاتها ايضا كما انها واجبة للوصول الى الغير ليترتب عليه الثمرة من عدم الاجتماع مع الحرام من جهة كونها واجبة فى حد ذاتها والعقاب على تركها من جهة كون وجوبها مستفادا من الخطاب الاصلى فانى لهم باثباته فليتدبر قوله دام ظله العالى والى هذا ينظر استدلالهم الآتي على اثبات وجوب مطلق المقدمة وهو استدلالهم بانها لو لم يجب للزم اما التكليف بما لا يطاق او خروج الواجب عن المطلق كونه واجبا الى آخر الاستدلال بل وصريح بعضهم فى الاستدلال بهذا هذا الاستلزام العقلى ايضا فلاحظ كلمات صاحب الانيس ره فى الاستدلال فى وجوب المقدمة حيث قال انا قد بينّا فى بحث الحسن والقبح ان الوجوب والحرمة العقليتين يستلزمان الوجوب والحرمة الشرعيين وكيف كان فلا يثبت بذلك الوجوب الذاتى المترتب عليه الثمرات المذكورة بل غاية ما ثبت بهذا الاستدلال هو الوجوب الغيرى التبعى وقد ذكرنا ان ترتب الثمرات التى اجددها محل النزاع على مثل ذلك الواجب محل كلام فليتامل قوله دام ظله العالى لعدم حصول الامتثال عرفا الا بقصد اطاعة الامر هذا اشارة الى ان عدم حصول الامتثال العرفى فى حق من ترك قصد اطاعة الامر يدل على ان النية شرط فى الامتثال بالواجبات الاصلية الذاتية والواجبات التوصلية الاصلية التى لم يحصل العلم بانحصار الحكمة منها فى شيء وذلك مثل ان السيّد اذا امر عبده بالسقى ولم يعتن بامر المولى وخرج من منزله الى رفقائه ثم خرج المولى ايضا عن هذا المكان الى مكان آخر ففاجأه العبد عصاجا للماء لرفقائه وسقاه لم يعد ممتثلا ويذمه العقلاء على ترك الامتثال وقول العبد بان المقصود من (١) امر السقى وهو حاصل كيف ما كان غير مقبول عرفا كما يجده الوجدان فثبت ان فضل
__________________
(١) الامر
