من حمل اللفظ على المعنى الذى يتبادر عندهم كلما استعمل فيه سواء كان حقيقة او مجازا مشهورا فالمعيار فى الانفهام هو التبادر ومجرد الاعتقاد بكونه حقيقة فى الصورة الاولى وكون تبادرها من جهة نفس اللفظ مع قطع النظر عن الشهرة ولو بانضمام اصل العدم فيما لو احتمل وجودها واختفائها عنه وكونها مجازا مشهورا فى الثانية وكون تبادرها مع ملاحظة الشهرة ليس من الفرق الذى يثمر ثمرة فى الاحكام بل هو مجرد اصطلاح وتوضيح الجواب ان الفرق واضح والثمرة ظاهرة فان الحقيقة الاولية فى الاولى مهجورة وفى الثانية غير مهجورة فيحمل اللفظ المجرد عن القرينة بمحض وروده فى الكلام فى الاولى على المعنى الذى صار اللفظ (١) بوضع تخصيصى بخلاف الصورة الثانية فلا بدّ فيها من التوقف مع ملاحظة الشهرة والحمل على المعنى الحقيقى مع قطع النظر عن ملاحظتها فمن ذلك ظهر وجه السؤال الثانى ايضا وفى الصورتين اذا اريد من اللفظ معناه الحقيقى الاول لا بدّ من نصب القرينة للانفهام لان الحقيقة الاولية فى الثانية وان لم تكن مهجورة ولكن لاحتياجها فى الانفهام الى القرينة فى حكم المهجورة والجواب هو ما ذكره الاستاد المحقق من الفرق بين القرينتين فى الصورتين اولا وعدم احتياج الى القرينة فى الصورة الثانية وبتنزيلها منزلة الاشتراك فى الاحتمال والتوقف ثانيا فتدبّر قوله دام ظله العالى قولهم للبليد ليس بحمار وعدم جواز ليس برجل فمن جواز سلب المعانى الحقيقة للحمار عما استعمل فيه الحمار اعنى البليد يعلم ان استعمال الحمار فى البليد مجاز ومن عدم جواز سلب المعانى الحقيقة للرجل عما استعمل فيه الرجل اعنى البليد يعلم ان استعماله فيه على سبيل الحقيقة قوله دام ظله العالى احترازا عن مثل قولهم للبليد ليس بانسان الخ فانه يصحّ سلب جميع المعانى الحقيقية للانسان عن البليد مع استعماله فيه ولما زاد فى نفس الامر احتراز عن مثل ذلك فان سلب المعانى الحقيقية بعنوان الحقيقة ولا ريب ان صحة سلب المعانى الحقيقية للانسان عن البليد ليس بعنوان الحقيقة ولما يمكن ان يتوهّم ان الاستعمال اعم من الحقيقة والمجاز فالقيد لا بدّ منه قال دام ظله العالى والاصل فى الاستعمال الحقيقة اى فيما علم الحقيقة والمجاز ولم يعلم المستعمل فيه وهذا منه كما لا يخفى ولكن قد اورد هنا اشكال بالمجاز المستعمل فى الجزء او اللازم المحمول كالانسان فى الناطق او الكاتب إن كان ذات ثبت لها النطق والكتابة ولا ريب ان الاستعمال فى كل منهما حقيقة وعدم صحة السلب علامة لها وإن كان المراد منهما المعنى المصدرى اعنى النطق والكتابة فاستعماله فى كل منهما وإن كان مجازا ولكن بعد ادّعاء كونهما موجودا واحدا واطلاقه عليه من باب الحمل الذاتى كما هو مناط الحمل فى المجازات كلها فح لا يصحّ السلب ايضا كما لا يخفى وسيجىء فى مبحث العام والخاص ما يرشدك اليه فتدبّر قوله دام ظله العالى باستلزام الدور المضمر بواسطتين اقول اقل ما يتحقق فيه الدور المضمر لا يكون الا بواسطتين لان توقف الشيء على ما يتوقف عليه اما بمرتبة فهو دور مصرّح او بمرتبتين او بمراتب فهو دور مضمر فقوله بواسطتين لاخراج المضمر بوسائط لا لاخراج الدور بواسطة واحدة لانه يخرج بلفظ المضمر فلا تغفل قوله دام ظله العالى فان كون المستعمل فيه مجازا لا يعرف الا بصحة سلب جميع المعانى الحقيقة اقول المط ان هذه المقدمة غير احتياج اليها والا لكان الدور المضمر بوسائط وهو خلاف تصريحه بواسطتين بل هى عين المقدمة الشرطية الاخيرة التى يدعى المورد بطلانها وهو قوله ولو اثبت كونه مجازا بصحة السلب لزم الدور المذكور وتمامية معنى الدور المذكور بدون تلك المقدمة يرشدك الى ما قلناه وكذا المقدمة الاولى فى بيان الدور المضمر فى جانب عدم صحة السلب لما كان هو سلب جميع المعانى الحقيقية لان سلب البعض لا يفيد لجواز كون المعنى المستعمل فيه ليس من المعانى الحقيقية وهو موقوف على العلم بانه من المعانى المجازية وهو موقوف على صحة السلب وهو دور فليتامل قوله دام ظله العالى وهو موقوف على معرفة كونه مجازا اى العلم بكون المستعمل فيه ليس من الحقائق موقوف على العلم بكونه مجازا وإن كان مع قطع النظر عن العلم المذكور احدهما مستلزم للآخر لا متوقف عليه فلا يروج ما يقال غاية الامر هنا الاستلزام لا التوقف هكذا افاده دام ظله العالى هذا ولكن قال التفتازانى انا نقطع بانه يصح العلم بان الانسان ليس شيئا من المعانى الحقيقية للاسد وان لم يعلم استعماله فيه فضلا عن ان يكون مجازا انتهى كلامه اقول كان نظر التفتازانى الى حصول هذا العلم لنا عرفا وهو كذلك وبه يندفع الدور ايضا وبالجملة طريق معرفة الاول لا ينحصر فى معرفة الثانى كما هو مناط فى التوقف لجواز حصول العلم بالاول عرفا فليتامل قوله دام ظله العالى
__________________
(١) حقيقة فيه.
