ولما كان الانسان عرضة للخطإ والضلال فى فهم الدين وفى استعمال الحواس والعقل على ما قدمنا كان محتاجا إلى المعونة الخاصة فأمرنا الله بطلبها منه فى قوله (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) فمعنى (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) دلنا دلالة تصحبها معونة غيبية من لدنك تحفظنا بها من الضلال والخطإ. وما كان هذا أول دعاء علمنا الله تعالى إياه ، إلا لأن حاجتنا إليه أشد من حاجتنا إلى كل شىء سواه ،
ثم بين معنى الصراط (وهو الطريق) واشتقاقه وقراءة الصراط بالسين المهملة واشتقاقها على نحو ما فى كتب اللغة والتفسير ، ومعنى المستقيم وهو ضد المعوج وقال : ليس المراد بمقابل المستقيم المعوج ذا التمعج والتعاريج بل المراد كل ما فيه انحراف عن الغاية التى يجب أن ينتهى سالكه إليها. والمستقيم فى عرف الهندسة أقرب موصل بين طرفين ، وهذا المعنى لازم للمعنى اللغوى كما هو ظاهر بالبداهة. وإنما قلنا إن المراد بمقابل المستقيم كل ما فيه انحراف لأن كل من يميل وينحرف عن الجادة يكون أضل عن الغاية ممن يسير عليها فى خط ذى تعاريج ، لأن هذا الأخير قد يصل إلى الغاية بعد زمن طويل. ولكن الأول لا يصل إليها أبدا. بل يزداد عنها بعدا كلما أوغل فى السير وانهمك فيه
وقد قالوا إن المراد بالصراط المستقيم الدين أو الحق أو العدل أو الحدود ونحن نقول إنه جملة ما يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة من عقائد وآداب وأحكام وتعاليم. لم سمى الموصل إلى السعادة من ذلك صراطا وطريقا؟ خذ الحق مثلا وهو العلم الصحيح بالله وبالنبوة وبأحوال الكون والناس تر معني الصراط فيه واضحا ، لأن السبيل أو الصراط ما أسلكه وأسير فيه لبلوغ الغاية التى أقصدها كذلك الحق الذى يبين لى الواقع الثابت فى العقيدة الصحيحة هو كالجادة بين السبل المتفرقة المضلة فالطريق الواضح للحس ، يشبه الحق للعقل والنفس ، سير حسى ، وسير معنوى ، كذلك إذا اعتبرت هذا المعنى فى الحدود والأحكام تجده واضحا ـ قسمت أحكام الأعمال إلى واجب ومندوب ومباح ومحرم ومكروه فكان هذا مريحا لنا من تمييز الخير من الشر بأنفسنا واجتهادنا ، فبيان الأحكام بالهداية الكبرى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)