كقوله تعالى (٥٠ : ٣٠ (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ؟ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) فليس المراد أن الله تعالى يستفهم منها وهى تجاوبه ، وإنما هو تمثيل لسعتها وكونها لا تضيق بالمجرمين مهما كثروا ، ونحوه قوله عزوجل بعد ذكر الاستواء إلى خلق السماء (٤١ : ١١ (فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ) والمعنى فى التمثيل الظاهر.
(أقول) وهذا الأمر يسمى أمر التكوين ، ويقابله أمر التشريع ، وانما سمى أمر التكوين للتعبير عنه فى التنزيل بقوله تعالى (٣٦ : ٨٢ (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) فهو تصوير لتعلق إرادة الربوبية بالايجاد ، ولا أذكر عن أحد من المفسرين المتبعين للأثر تصريحا بأن الأوامر فى قصة آدم من أمر التكوين إلا للحافظ ابن كثير فانه ذهب فى تفسير (قال فاهبط منها) من سورة الأعراف إلى أن الأمر فيه أمر قدرى كونى ، ومثله ما فى معناه من قصة آدم ومن الآيات الأخرى من مخاطبة إبليس للرب وجوابها فى شأن اغوائه للبشر وانظاره إلى يوم القيامة.
(قال الاستاذ الإمام ما مثاله) وتقرير التمثيل فى القصة على هذا المذهب هكذا : إن أخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة فى الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التى بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود فى هذه الأرض ـ وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد فى الأرض لأنه يعمل باختياره ويعطى استعدادا فى العلم والعمل لاحد لهما هو تصوير لما فى استعداد الانسان لذلك وتمهيد لبيان أنه لا ينافى خلافته فى الأرض ـ وتعليم آدم الاسماء كلها بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شىء فى هذه الأرض وانتفاعه به فى استعمارها ـ وعرض الاسماء على الملائكة وسؤالهم عنها وتنصلهم فى الجواب تصوير لكون الشعور الذى يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته ـ وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواج والقوى له ينتفع بها فى ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى فى ذلك ـ وإباء ابليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الانسان عن إخضاع روح الشر وابطال داعية خواطر السوء التى هى مثار التنازع والتخاصم ، والتعدى والافساد فى الأرض ـ ولو لا ذلك لجاء على الانسان زمن يكون فيه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
