قال الاستاذ : إن هذه التأكيدات (١) تشعر بأن سؤال الاستغراب الأول كان يتنسم منه شىء ؛ وكذلك الجواب عن (أنبئونى) بقولهم (لا عِلْمَ لَنا) ولذلك ختموا الجواب بالتبرؤ من كل شىء والثناء على الله تعالى بالعلم الثابت الواجب لذاته العلية ، والحكمة البالغة اللازمة له ، فقد تقدم فى تفسير الفاتحة أن صيغة (فعيل) تدل غالبا على الصفات الراسخة اللازمة ، فكان جواب الملائكة بهذا مؤذنا بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب أن لا يغفل مثلهم عنه ، وهو التسليم لسعة علم الله وحكمته حتى يبلغ الكتاب أجله.
(قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) فكان الانباء كما أراد الله تعالى وذكره لأجل ترتيب الحكم عليه بقوله (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ) الله تعالى للملائكة (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) ومن كان هذا شأنه فلا يخلق شيئا سدى ولا يجعل الخليفة فى الأرض عبثا (وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) والذى يبدونه هو ما يظهر أثره فى نفوسهم ، وأما ما يكتمون فهو ما يوجد فى غرائزهم وتنطوى عليه طبائعهم
وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله تعالى فى معرفة حقيقتها ، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها ، وقد تقدم بيان ذلك. وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل ، وأمثل طرقه فى هذا المقام التمثيل ، وقد مضت سنة الله فى كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية ، فى قوالب العبارة اللفظية ، ويجلى لنا المعارف المعقولة ، بالصور المحسوسة ، تقريبا للافهام ، وتسهيلا للاعلام ، ومن ذلك أنه عرفنا بهذه القصة قيمة أنفسنا ، وما اودعته فطرتنا ، مما نمتاز به على غيرنا من المخلوقات ، فعلينا أن نجتهد فى تكميل أنفسنا بالعلوم التى خلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلق لتظهر حكمة الله فينا ، ولعلنا نشرف على معنى إعلام الله الملائكة بفضلنا ، ومعنى سجودهم لأصلنا (٢٤ : ٣٥ (وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)
__________________
(١) فى التنزيه تأكيد معنوى وكذلك فى نفى العلم عن انفسهم لذاتها واثبات ما أعطاها الله فقط ، ثم يلى ذلك التأكيد اللفظى بان والجملة الاسمية وضمير الفصل «أنت» والمعنوى بصيغتى المبالغة فى العلم والحكمة ـ المؤلف
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
