إذا تقرر هذا فهاك تفسير هذا السياق بما قرره شيخنا فى الأزهر قال ما مثاله :
أما الملائكة فيقول السلف فيهم : إنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم فيجب علينا الايمان بهم ، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم ، فنفوض علمها إلى الله تعالى ، فاذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك ولكننا نقول إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور إذ لو كانت كذلك لرأيناها ، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار فاننا نستدل بذلك على أن فى الكون عالما آخر ألطف من هذا العالم المحسوس وأن له علاقة بنظامه وأحكامه ، والعقل لا يحكم باستحالة هذا بل يحكم بامكانه لذاته ، ويحكم بصدق الوحى الذى أخبر به.
(قال الأستاذ) وقد بحث أناس فى جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله تعالى على هذا السر قليلون ، والدين إنما شرع للناس كافة ، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم يكاد يكون من تكليف ما لا يطاق ، ومن خصه الله تعالى بزيادة فى العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء ، فقد ورد فى الصحيح عن أمير المؤمنين على كرم الله وجهه فى هذا العلم اللدنى الخاص وقد سئل «هل خصكم رسول الله صلىاللهعليهوسلم بشىء من العلم؟ فقال لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة إلا أن يؤتى الله عبدا فهما فى القرآن الخ» وأما ذلك الحوار فى الآيات فهو شأن من شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا فى هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا ، وأن هناك معانى قصدت إفادتها بهذه العبارات وهى عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعدّ له الكون ، وشأن مع الملائكة يتعلق بخلق نوع الانسان ، وشأن آخر فى بيان كرامة هذا النوع وفضله.
وأما الفائدة فيما وراء البحث فى حقيقة الملائكة وكيفية الخطاب بينهم وبين الله تعالى فهى من وجوه.
(أحدها) أن الله تعالى فى عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته فى صنعه ، وما يخفى عليهم من أسراره فى خلقه ، ولا سيما عند الحيرة ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
