تصح طرقها من علل ، بل قد يبلغ أمى علم اليقين بنظرة صادقة فى ذلك الكون الذى بين يديه ، أو فى نفسه إذا تجلت بغرائبها عليه ، وقد رأينا من أولئك الأميين ، مالا يلحقه فى يقينه آلاف من أولئك المتفننين ، الذين أفنوا أوقاتهم فى تنقيح المقدمات وبناء البراهين ، وهم أسوأ حالا من أدنى المقلدين]
(وأقول) كان الأستاذ قد أطلق اشتراط البرهان العقلى هنا كما أطلقه فى مواضع أخرى تقدم بعضها والبحث فيه ثم قيده هنا بما بين به خطأ بعض المتكلمين فى اشتراطهم البراهين المنطقية التى سموها قطعية على ما فيها من خلل وعلل والحق أن اطمئنان القلب بما جاء به الرسول صلىاللهعليهوسلم من غير تردد ولا اضطراب كاف فى النجاة فى الآخرة ، وأن أفضل الأدلة ما أرشد إليه القرآن من النظر فى آيات الله تعالى فى الأنفس والآفاق ، فبداهة العقل فيه كافية عند سليم الفطرة الذى لم يبتل بشكوك الفلاسفة وجدليات المتكلمين ولا بتقليد المبطلين. هذا وإن إطلاق الايمان وذكر المؤمنين وما أعد لهم من غير وصله بذكر متعلقاته معهود فى القرآن لأن المتعلق معلوم للسامعين كما قلنا ، وهو بالنسبة لمن لم يؤمنوا : ما دعاهم إليه النبى صلىاللهعليهوسلم إجمالا من الأصول ، وأما المؤمنون فقد عرفوه مفصلا تفصيلا.
ثم وصف المؤمنين الذين يستحقون البشارة بقوله (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) وأطلق فى هذا أيضا كما أطلق فى كثير من الآيات لأن العمل الصالح معروف عند الناس بالإجمال ، وذلك كاف فى الترغيب فيه وجعله تابعا للايمان متصلا به ولازما من لوازمه ، وبين الأعمال الصالحة بالتفصيل فى آيات كثيرة كقوله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) الخ وكالآيات فى أول سورة (المؤمنون) وآخرها وآخر سورة الفرقان وأوائل سورة المعارج وغير ذلك. كأن الله تعالى يقول : إن العمل الصالح معروف عند الناس لأنه أودع فى نفوسهم ما يميزون به بين الخير والشر ، ولكن بعضهم يضل بانحراف يطرأ على نفسه فيخرجها عن الاعتدال الفطرى ثم يضل بضلاله آخرون ، فتكون التقاليد والعادات الناشئة عن هذا الضلال هى الميزان عند الضالين فى معرفة الصلاح والفساد ، والخير والشر لا أصل الهداية الفطرية ، ولذلك قال عليه الصلاة والسّلام «كل مولود يولد على
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
