الكهرباء العجيبة التى لا يوجد شىء مما أخبر به الرسل من عالم الغيب إلا وفيها نظير له يقربه من الحس ، لا من العقل وحده ، وهل الكهرباء إلا قوة مسخرة للملائكة؟ ودع ما يثبته الألوف من علماء الأمم كلها من تمثل بعض أرواح البشر لبعض الناس فى صور كصور الاجساد ، وهو يوافق المأثور عندنا عن الامام مالك من أئمة الفقهاء فى صفة الروح ، ووقائعه عند الصوفية كثيرة ، ومن ينكر ما يحكى من وقوع هذا لا ينكر إمكانه فى نفسه ، ولا الرجاء فى ثبوته فى يوم ما ، بحيث يشاهده جميع الناس.
خلاصة ما تقدم : أن دلالة القرآن على نبوة محمد صلىاللهعليهوسلم لها وجهان :
(أحدهما) ما قيل فى دلالة الآيات الكونية لبعض الأنبياء السابقين ، كناقة صالح ، وعصا موسى ، وإحياء عيسى للميت ، وهو أن كلا منها أمر جاء على غير المعتاد من مقدور البشر ، واستدل به صاحبه على نبوته ورسالته. فكان تصديقا من الله الله تعالى له ، وتكذيبا وخذلانا منه تعالى لمن كذبه ، وهذا الوجه من الدلالة خارج عن موضوع النبوة والرسالة. ولذلك اختلف فيه علماء النظر كما تقدم آنفا.
(الوجه الثانى) وهو يجتمع مع الأول. مأخوذ من معنى النبوة والرسالة. وهو أنها هداية عليا للبشر ، لا تغنيهم عنها هدايات الحواس الظاهرة والباطنة ولا هداية العقل ، فان هذه هدايات شخصية فردية وتلك هداية لنوع الانسان فى جملته ، وقد اكتفينا فى هذا الاستطراد بتمثيلها بطب الأبدان ليفهمها كل قارىء وسامع ، وإنما يفهمها الفهم التام من طريقه العلمى من يقف على ما اشتمل عليه القرآن من آيات الهداية وكونه أعلى وأكمل من كل ما نقل عن الأنبياء السابقين على ما فى نقله من التواتر القطعى ، وما فى نقلها من الضعف ـ ومن طريقه العملى من عرف تاريخ الاسلام وما كان من تأثير القرآن فى هداية العرب ثم هداية غيرهم من الأمم ، وعرف تأثير هداية الأنبياء السابقين فى أممهم ـ على ما بين النقلين من التفاوت أيضا ـ
ولا يمترى أحد من العقلاء فى كون العلم الذى موضوعه هداية الأمم والشعوب ونقلها من حال دنيوية إلى حال أعلى وأكمل منها هو من العلوم العالية التى يقل فى الناس من يحذقها ويكون إماما مبرزا فيها ، وأن عمل من يتدارسونه فى الكتب به أعسر مسلكا ، وأوعر طريقا ، وأن فلاح العاملين به المتمرسين بوسائله قلما يتفق إلا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
