فهؤلاء المنكرون لوجود الخالق لا كلام لنا معهم فى مسألة النبوة والوحى إلا بعد أن نتكلم معهم أولا فى إثبات وجود الخالق وصفات ربوبيته ، ولكن أكثر منكرى النبوة يؤمنون بوجود الله تعالى ، وإنما يستبعدون معنى الوحى ، وليس ببعيد فى نظر العقل.
الوحى فى اللغة : إعلام فى خفاء. ووحى الله تعالى إلى أنبيائه علم يخصهم به من غير كسب منهم ولا تعلم من غيرهم ، بل هو شىء يجدونه فى أنفسهم من غير تفكر ولا استنباط ، مقترنا بعلم وجدانى ضرورى بأن الذى ألقاه فى قلوبهم هو الرب القادر على كل شىء ، وقد يتمثل لهم ملك فيلقنهم ذلك العلم ، وقد يكون بغير وساطة ملك. قال تعالى (٢٦ : ١٩١ (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) ١٩٢ (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) ١٩٣ (عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) فأى استحالة أو بعد فى هذا عند من يؤمن برب العالمين ، وعلمه وحكمته وقدرته فى المخلوقين؟
وعرفه شيخنا فى رسالة التوحيد «بأنه عرفان يجده الشخص من نفسه مع اليقين من قبل الله تعالى بواسطة أو بغير واسطة ، والأول بصوت يتمثل لسمعه أو بغير صوت. (قال) ويفرق بينه وبين الإلهام بأن الإلهام وجدان تستيقنه النفس وتنساق إلى ما يطلب على غير شعور منها من أين أتى ، وهو أشبه بوجدان الجوع والعطش والحزن والسرور» ثم بين إمكان هذا ووقوعه وأسباب شك بعض الناس فيه وتفنيد شبهاتهم عليه بما يراجع فى الرسالة نفسها
وأما تمثل الملك فكانوا يكتفون فى إثباته بقولهم : إنه ممكن فى نفسه وقد أخبر به الصادق فوجب تصديقه. ونقول اليوم : إن العلوم الكونية لم تبق شيئا من أخبار عالم الغيب غريبا ، إلا وقربته إلى العقل ، بل وإلى الحس تقريبا ، بل ظهر من الاختراعات المادية المشاهدة فى هذا العصر ، ما كان يعد عند الجماهير محالا فى نظر العقل ، لا غريبا فقط. فاذا كان الإنسان الكيميائى يحلل الأجسام الكثيفة حتى تصير غازات لا ترى من شدة لطفها ، ويكثف العناصر اللطيفة فتكون كالجامدة بطبعها ، فكيف يستغرب تكثيف الملك لنفسه ، وهو من الأرواح ذات المرّة والقوة العظيمة يأخذه من مواد العالم المنبثة فيه هيكلا على صورة الانسان مثلا؟ دع مخترعات
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
