اليهود والنصارى قد أوتوا نصيبا منه ونسوا نصيبا وحظا منه ، فلم يحفظوه كله ، ولم يضيعوه كله ، وأنهم حرفوا ما أوتوه عن مواضعه تحريفا لفظيا ومعنويا كما يفيده الاطلاق (١) وأنهم غلوا فى دينهم فزادوا فيه ما لم يأذن به الله ، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، يحلون لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه الله ، وأنهم قصروا فى إقامته من جهة أخرى فعملوا بما يوافق أهواءهم منه وتركوا ما يخالفها كمن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ، وأن اليهود قالوا على مريم بهتانا مبينا ، والنصارى غلوا فيها غلوا عظيما ، فقالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقالوا ثالث ثلاثة (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) الخ ما نطقت به الآيات التى يجد القارىء فى تفسيرنا هذا تفصيلها مع تفسيرها الحق المؤيد بالتاريخ الصحيح الذى حققه علماء أوربة وغيرهم بعد الاسلام المصدق للقرآن الحكيم فى حكمه الذى كان مجهولا بتفصيله عند جميع الناس (٢) وقد قام فى هذه السنين بعض كبار رجال الدين فى بلاد الانكليز يكتبون فى الجرائد ما قرروه فى جمعيات الكنائس من أن الانجيل لا يثبت الوهية المسيح وقد نشرنا بعض ما اطلعنا عليه فى الجرائد الانكليزية من هذه التحقيقات وسننشر غيره فى مجلتنا الاسلامية (المنار).
وقد ثبت عندنا أن مستقلى الفكر من أهل أوربة بين مؤمن بما جاء به القرآن من حقيقة أمر المسيح وهو أنه بشر ممتاز بروح قدسية من الله ونبى له ولكن أكثرهم لا يعلمون أنه مما جاء به القرآن ـ وبين كافر به ـ وأما عقيدة الكنيسة بربوبيته وألوهيته فهى محصورة فى رجالها وعامة المقلدين لهم ، وقد أخبرني قسيس كبير من الكاثوليك حرمته الكنيسة وأخرجته من طغمة كهنتها أن كبار علمائها موحدين كالمسلمين ، ولولا خشية ارتداد العوام لصرحوا بالتوحيد وبنفى التثليث كبعض قسوس البر وتستنت
__________________
(١) راجع تفسير الآية الثالثة من السورة الثالثة فى الجزء الثالث من التفسير (ص ١٥٩ ـ ١٦٥) وراجع تفسير الآية : ٤٤ من السورة ٤ (ص ١٣٦ من الجزء الرابع) والآية ١٥ من السورة ٥ (ص ٢٨٢ من الجزء ٦)
(٢) راجع تفسير سورة المائدة وانظر فى فهرس الجزء السادس من التفسير كلمات : أهل الكتاب ، والتوراة ، والانجيل
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
