الاسلامية التى تسمونها الفقه لأنها هى التى تجرى عليها الأحكام ولم أعن الدين الاسلامى نفسه.» الخ.
ولا شك أن هذا الوجه من أظهر وجوه الاعجاز ، فان علوم العقائد الالهية والغيبية والآداب والتشريع الدينى والمدنى والسياسى هى أعلى العلوم ، وقلما ينبغ فيها من الذين ينقطعون لدراستها السنين الطوال إلا الافراد القليلون ، فكيف يستطيع رجل أمى لم يقرأ ولم يكتب ولا نشأ فى بلد علم وتشريع أن يأتى بمثل ما فى القرآن منها تحقيقا وكمالا ، ويؤيده بالحجج والبراهين بعد أن قضى ثلثى عمره لا يعرف شيئا منها ، ولم ينطق بقاعدة ولا أصل من أصولها ، ولا حكم بفرع من فروعها إلا أن يكون ذلك وحيا من الله تعالى؟
إعجاز القرآن بعجز الزمان عن إبطال شىء منه
(الوجه السادس) أن القرآن يشتمل على بيان كثير من آيات الله تعالى فى جميع أنواع المخلوقات من الجماد والنبات والحيوان والانسان ويصف خلق السموات وشمسها وقمرها ودراريها ونجومها والأرض والهواء والسحاب والماء من بحار وأنهار وعيون وينابيع ، وفيه تفصيل لكثير من أخبار الأمم ، وبيان لطريق التشريع السوى الأمم ، وقد حفظ ذلك كله فيه بكلمه وحروفه منذ ثلاثة عشر قرنا ونيف ، ثم عجزت هذه القرون ، التى ارتقت فيها جميع العلوم والفنون ، أن تنقض بناء آية من آياته ، أو تبطل حكما من أحكامه ، أو تكذب خبرا من أخباره ، وهى التى جعلت فلسفة اليونان دكا ، ونسخت شرائع الأمم نسخا ، وتركت سائر علوم الاوائل قاعا صفصفا ، ووضعت لأخبار التاريخ قواعد فلسفية ، ورجعت فى تحقيقها إلى ما عثر عليه المنقبون من الآثار العادية ، وحكمت فيها أصول العمران ، وما يسمونه سنن الاجتماع ، بحيث لم يبق لعلماء الاوائل كتابا غير مد عثر الأعضاد ، ساقط العماد.
وهذا النوع من أنواع الاعجاز ، غير ما تقدم من سلامته من التعارض والاختلاف ، فتلك فى الماضى ، وهذه فى الحاضر والمستقبل ، ذاك الاختلاف يقع من الناس بقلة العرفان ، وبضعف البيان ، أو بما يطرأ على صاحبه من الذهول والنسيان ، يريد بيان شىء فيخونه قلمه ولسانه ، ويعوزه ان يحيط بأطرافه ، وأن يجليه تمام التجلى لقارىء كلامه أو سامعه
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
