(فان قيل) إن غير المؤمنين بالقرآن قد استخرجوا منه بعض الاختلاف والتعارض ، فاضطر علماء المسلمين إلى الجواب عنها بما يزعمون أنه دفع الإيراد ، وأظهر بطلان الانتقاد ، وإن المسلم يقبل ذلك منهم تقليدا ، وان لم يكن فى نفسه سديدا (قلت) إذا كانت عين الرضى متهمة فعين السخط أولى بالتهمة ، وإننا إذا لم نلتفت إلى كلام أعداء القرآن الذين يخترعون التهم أو يزينونها بخلابة القول ـ ولا إلى المقلدين من المسلمين وعرضنا ما ذكر من ظواهر الاختلاف على فريق المستدلين المستقلين من الفريقين نرى أنه ليس فى القرآن تعارض حقيقى معنوى يعد مطعنا صحيحا فيه ، ويرى الناظر فى تفسيرنا هذا وفى مجلتنا (المنار) بيان كل ما علمناه من ذلك مع الجواب المعقول عنه ، ولكن هذا النوع من الإعجاز انما يظهر فى جملة القرآن فى السور الطويلة منه لا فى كل سورة ، فإن سلامة السورة القصيرة من ذلك لا يعد أمرا معجزا يتحدى به.
إعجاز القرآن بالعلوم الدينية والتشريع
(الوجه الخامس) اشتماله على العلوم الإلهية ، وأصول العقائد الدينية ، وأحكام العبادات وقوانين الفضائل والآداب وقواعد التشريع السياسى والمدني والاجتماعى الموافقة لكل زمان ومكان ؛ وبذلك يفضل كل ما سبقه من الكتب السماوية ، ومن الشرائع الوضعية ، ومن الآداب الفلسفية ، كما يشهد بذلك أهل العلم المنصفون من جميع الأمم الشرقية والغربية ، من آمن منهم بكونه من عند الله تعالى أنزله على رسوله الأمى ، ومن لم يؤمن بذلك ، حتى كبراء السياسين من خصوم الدول الإسلامية كلورد كرومر عميد الدولة البريطانية بمصر ، فانه شهد فى تقريره السنوى الأخير عن مصر بنجاح الإسلام الباهر فى التشريع الدينى دون التشريع الاجتماعى والسياسى وعلل الأخير بأن ما وضع منذ أكثر من ألف سنة لا يمكن أن يوافق مصالح جميع الناس الآن وفى كل آن ، فكتبت إليه يومئذ كتابا سألته فيه هل يعنى بأحكام الشريعة الكتاب والسنة أم الفقه الذى وضعه العلماء ومزجوا فيه آراءهم بما يأخذونه عنهما وخالف فيه بعضهم بعضا؟ وأنه إن كان يعني الكتاب والسنة فأنا مستعد لإظهار خطئه له. فكتب إلى كتابا قال فيه : «اننى عنيت بما كتبت مجموع القوانين
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
