واحدا منها ، كما يدل عليه كلام الوليد بن المغيرة من أكبر بلغاء قريش الذين عاندوا النبى صلىاللهعليهوسلم وعادوه استكبارا ، وجاحدوه استعلاء واستنكارا. أخرج الحاكم وصححه والبيهقى فى دلائل النبوة عن ابن عباس قال «إن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبى صلىاللهعليهوسلم فقرأ عليه القرآن ؛ فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عمّ ، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه ، فانك أتيت محمدا لتعرض لما قبله ، قال : قد علمت قريش أنى من أكثرها مالا ، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له ، قال : وما ذا أقول؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر منى ، لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن ، والله ما يشبه هذا الذى يقول شيئا من هذا ، وو الله إن لقوله الذى يقول لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله (١) وإنه ليعلو وما يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته. قال : والله ما يرضى قومك حتى تقول فيه. قال فدعنى أفكر ، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر ، يأثره عن غيره. وكان هذا سبب نزول قوله تعالى (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) الآيات.
ولعمرى إن مسألة النظم والأسلوب لإحدى الكبر ، وأعجب العجائب لمن فكر وأبصر ، ولم يوفها أحد حقها ، على كثرة ما أبدؤا وأعادوا فيها ، وما هو بنظم واحد ولا بأسلوب واحد ، وإنما هو مائة أو أكثر : القرآن مائة وأربع عشرة سورة متفاوتة فى الطول والقصر : من السبع الطول التى تزيد السورة فيه على المائة وعلى المائتين من الآيات ـ إلى السور المئين ، ـ إلى الوسطى من المفصل إلى ما دونها من العشرات فالآحاد كالثلاث الآيات فما فوقها ، وكل سورة منها تقرأ بالترتيل المشبه للتلحين ، المعين على الفهم المفيد للتأثير ، على اختلافها فى الفواصل ، وتفاوت آياتها فى الطول والقصر ، فمنها المؤلف من كلمة واحدة ومن كلمتين ومن ثلاث ، ومنها المؤلف من سطر أو سطرين أو بضعة أسطر ، ومنها المتفق فى أكثر الفواصل أو كلها ، ومنها المختلف فى السورة الواحدة منها ، وهى على ما فيها متشابه وغير متشابه فى النظم ، متشابهة كلها فى مزج المعانى العالية بعضها ببعض ، من صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى ، وآياته فى الأنفس والآفاق ، والحكم والمواعظ والأمثال ،
__________________
(١) وفى رواية : وإن أعلاه لمثمر ، وأن أسفله لمغدق إلخ
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
