من مصاقعهم إلى المناهضة (أقول) بل تواتر عنهم ما كان «من الاعراض عن المعارضة بأسلات ألسنتهم ، والفزع إلى المقارعة بأسنة أسلهم» (١) وسفك دمائهم بأسيافهم ، وتخريب بيوتهم بأيديهم ، أفلم يكن الأجدر بمداره قريش وفحولها. وغرر بني معد وحجولها ، أن يجتمعوا على تأليف سورة ببلاغتهم التى كانوا يتبارون فيها بسوق عكاظ وغيرها من مجامع مفاخراتهم ويؤثروا هذا على سوق الخميس بعد الخميس من صناديدهم إلى يثرب لقتال محمد صلىاللهعليهوسلم ومن آمن به «رض» فى بدر وأحد ووراء الخندق لو كان ذلك مستطاعا لهم؟ ومثل هذا يقال فى اليهود الذين كانوا بجواره فى المدينة فأمنهم على دينهم وأموالهم وأعراضهم ، فأبوا إلا إعانة مشركى قومه عليه حتى اضطروه إلى قتالهم ، وإخراج بقية السيف من ديارهم. فلا شك أن الله تعالى قد رفع هذا الكلام إلى درجة لا يرتقى البشر اليها ، وهو تعالى جده العالم بمبلغ استطاعتهم ، والمالك لأعنة قدرتهم.
قال المتكلمون فى بلاغة القرآن إننا نجده لم يلتزم شيئا مما كانوا يلتزمون بسجعهم وإرسالهم ، ورجزهم وأشعارهم ، بل جاء على النمط الفطرى ، والأسلوب العادى ، الذى يتسنى لكل إنسان أن يحذو مثاله ، ولكنهم عجزوا فلم يأتوا ولن يأتى غيرهم بسورة من مثله ، ثم نلاحظ أيضا أن القرآن بهذا الأسلوب قد تحدى به كل من بلغه من العرب ، على تفرق ديارهم ، وتنائى أقطارهم ، وأرسل الرسول إلى الأطراف يدعو الناس إلى الإيمان به ، فعمت الدعوة وبلغت مبلغها ولم ينبر أحد للمعارضة كما قلنا. ألا يدل هذا على نهاية العجز وعمومه ، وإحساس كل بليغ بالضعف فى نفسه عن الانبراء لمباراته ، والتسامى لمحاكاته ، وعلى أن الله تعالى جعله فوق القدر ، خارقا لما يعتاد من كسب البشر؟ بلى ، وإن لهذا الاعجاز وجهين. أحدهما : كونه معجزا بذاته لأنه فى مرتبة لا يمكن لبشر أن يرتقى اليها ، وثانيهما : أنه جاء على لسان أمى لبث أربعين سنة لم يوصف بالبلاغه ولم يؤثر عنه شىء من العلم. وقد ذكروا وجوها أخرى للاعجاز ينطوى عليها القرآن. منها قوله هنا (وَلَنْ تَفْعَلُوا) بناء على أن المخبر هو الله تعالى. عالم الغيب وما يكون فى
__________________
(١) هذه الجملة من خطبة اساس البلاغة.
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
