والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع فى استعمال اللغة ، وقد عدوا الترجى والتمنى من الأخبار وصيغهما صيغ انشاء فقط.
وأقول : إن ما ذكره من الاعداد صحيح ولكنه غير مطرد والتحقيق أن الترجى عبارة عن كون الشىء مأمولا بما يذكر من سببه غير مقطوع به لذاته بل يتبع قوة أسبابه مع انتفاء الموانع ويتعلق تارة بالمتكلم وتارة بالمخاطب وتارة بالمتكلم عنه وتارة بغيرهما ، فتأمل قوله تعالى (٦٥ : ١ (لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) وقوله حكاية عن قوم موسى (٢٦ : ٤٠ (لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ) وقوله (وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ) الخ وقوله لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) وقد علم أن هذا مقطوع بعدم وقوعه عند الله ولكن الرجاء فيه متعلق بموسى وهارون أى (٢٠ : ٤٤ (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً) راجيين به أن يتذكر أو يخشى لا قولا غليظا منفرا. وتأتى «لعل» للاشفاق وإفادة التحذير من أمر وقعت أسبابه فكان بها مظنة الوقوع كقوله تعالى لرسوله صلىاللهعليهوسلم (١٨ : ٦ (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) الآية وقوله (١١. ١١ (فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) الآية.
لما ذكر الله عباده بنعمة الايجاد ونعمة المساواة فى المواهب التى تقتضى التقوى وعدم إطراء السلف برفعهم إلى مقام الربوبية كما وقع من الذين (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ) ذكرهم ثانيا ببعض خصائص الربوبية التى تقتضى الاختصاص بالعبودية ؛ فقال (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) بما مهدها وجعلها صالحة للافتراش والاقامة عليها والارتفاق بها ، أى فهو القادر على جلائل الفعال ، العظيم الذى يستحق العبادة والاجلال ، المنعم بجميع النعم ، الجدير بأعلى مراتب الشكر ، جعل الأرض بقدرته فراشا لأجل منفعتكم (وَالسَّماءَ بِناءً) متماسكا لكيلا تقع على الأرض فتسحقكم. السماء مجموع ما فوقنا من العالم والبناء وضع شىء على شىء بحيث يتكون من ذلك شىء بصورة مخصوصة : وقد كون الله السماء بنظام كنظام البناء. وسوى أجرامها على هذه الصفة المشاهدة وأمسكها بسنة الجاذبية فلا تقع على الأرض ، ولا يصطدم بعضها ببعض ، إلا إذا جاء يوم الوعيد
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
