تقدم تحقيق معنى العبادة ومعنى الرب فى تفسير سورة الفاتحة. وبدء الدعوة بالأمر بعبادة الله تعالى وحده هو سنة جميع المرسلين قال تعالى (١٦ : ٣٦ (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) فكان كل رسول يبدأ دعوته بقوله (يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) وذلك أن جميع تلك الأمم كانت تؤمن بأن الله خالق الخلق هو ربهم ومدبر أمورهم ، وإنما كان كفرهم الأعظم بعبادة غير الله تعالى بالدعاء الذى هو ركن العبادة الأعظم فى وجدان جميع البشر ، وبغير الدعاء والاستغاثة من العبادات العرفية ، كالتقرب إلى المعبود بالنذور وذبح القرابين أو الطواف والتمسح به ، إن كان جسما أو تمثالا لملك أو بشر أو حيوان أو قبرا لإنسان ، ومنهم من كان ينكر البعث أيضا ، ولما كان المخاطبون بالدعوة هنا أولا وبالذات فى ضمن الدعوة العامة ، وهم اليهود والعرب فى المدينة وما حولها يؤمنون برب العالمين ووحدانيته ويعبدون غيره إما بدعائه مع الله أو من دون الله وإما بجعله شارعا يتبعونه فيما يصدره من أحكام التعبد أو الحرام والحلال ـ لما كانوا كذلك احتج على دعوتهم إلى توحيد الله تعالى بالتعبير بلفظ «رب» مضافا إليهم فقال (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ووصفه بما يدل على انفراده بالربوبية من الصفات المسلمة عندهم وهى الخلق والتكوين والرزق فقال (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) إلى آخر الآية التالية ـ أى اذا كان ربكم هو الذى خلقكم وخلق من قبلكم ، وهو الذى سخر لكم السماء والأرض لرزقكم ومنافعكم فيجب أن تعبدوه وحده ولا تشركوا بعبادته أحدا من خلقه فتجعلونه مساويا له وتفضلونه على أنفسكم تفضيلا من نوع تفضيل الخالق على المخلوق والرب على المربوب. وهاك تفصيل ذلك بما كتبته من سياق درس شيخنا مفصلا له تفصيلا :
يقول تعالى (يا أَيُّهَا النَّاسُ) الذين يدعون الايمان بالله قولا بأفواههم ولم يمس الايمان الحق سواد قلوبهم ، ولا كان له سلطان على أرواحهم ، ويدعون الايمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم واصلاح أعمالهم ، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة ، وقلوبهم مشغولة عن الله الذى لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته ، والشعور بعظمته وجلاله ، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التى لا معنى لها ، والصور التى لا روح فيها ، وانما يخدعون فى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
