ضمائرهم ، وقادر على أخذهم أينما كانوا ، وفى أى طريق سلكوا. فلا يهربون من برهان إلا ويفاجئهم برهان آخر ، كالغريق يدفعه موج ويتلقاه موج حتى يقذف به إلى ساحل النجاة ، أو يدفعه إلى هاوية العدم ، ولهذا قال (مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) ولم يقل محيط بهم. أقول : فوضع الاسم المظهر موضع المضمر للايذان بأنهم إنما كانوا كذلك بكفرهم ، وأن ذلك يرد فى أمثالهم. والمراد بالاحاطة هنا إحاطة القدرة ، فمن لم يمته بأخذ الصاعقة أماته بغيرها* تنوعت الاسباب والموت واحد* والمحيط بالشىء لا يمكن أن يفوته وينفلت من قبضته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ ، كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ، وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا) إذا لمع البرق بشدة مفاجئا من هو فى ظلمة فانه يؤثر فى بصره تأثيرا يكاد يخطفه ، والخطف هو الأخذ بسرعة ، ولكنه يتبين به جزءا من الطريق فيمشى فيه خطوات ثم يعتكر عليه الظلام ، وتستحوذ عليه المخاوف والاوهام ، فيقف فى مكانه ، أو يعود البرق إلى لمعانه ، ويحاكى هذا من حال الممثل بهم أنه عند ما يدعوهم الداعى إلى أصل الدين ، ويوضح لهم سبب ما هم فيه من البلاء المبين ، ويتلو عليهم الآيات البينة ، ويقيم لهم الحجج القيمة ، على أنهم تنكبوا الصراط السوى ، وأصيبوا بالداء الدوىّ ، يظهر لهم الحق فيعزمون على اتباعه ، وتسير أفكارهم فى نوره بعض خطوات ، ولكن لا يعتمون أن تعود إليهم عتمة التقليد وظلمة الشهوات ؛ وغبسة الأهواء والشبهات ، فتقيد الفكر وإن لم تقف سيره ، وإنما تعود به إلى الحيرة ـ كما تقدم فى أول الكلام ـ ثم يتكرر النظر فى تضاعيفها بطريق الالتفات والالمام. وفيه : أنهم على سوء الحال وخطر المآل ، لم تنقطع منهم الآمال ، كما انقطعت من أصحاب المثل الأول الذين وصفوا بالصم البكم العمى ولذلك قال فيهم (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) حتى لا ينجع فيهم وعظ واعظ ولا تفيدهم هداية هاد ، ولم يقل : إنه ذهب بنورهم كما ذهب بنور أولئك وسلبهم كل أنواع الهدى والرشاد ، فوقع اليأس من رجوعهم إلى الحق. وقوله تعالى (وَلَوْ شاءَ اللهُ) الخ رجوع إلى بيان حال من ضرب فيهم المثل. لا من تتمة المثل ، وقد
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
