والكهربائية موجودة فى كل شىء ، والبرق فى السحاب يتولد من اتصال نوعيها الموجب والسالب بقدرة الله تعالى ، كما يتولد فى الأرض بعمل الانسان. وقد استنزل بعض علماء الكهربائية قبس الصاعقة من السحاب إلى الأرض ، والصاعقة من أثر الكهربائية ، وهى تفريغ السحاب طائفة منها فى مكان لجاذب فى الأرض يجذبه ، وكثيرا ما حصل الصعق لعمال التلغراف ، لما بين السحاب والاسلاك من الجاذبية. ومعرفة الناس بالسبب الحقيقى للصواعق هداهم إلى حفظ الابنية الشاهقة منها باتخاذ القضيب المعروف الذى يسمى قضيب الصاعقة ، فلا تنزل الصواعق على بناء رفع فوقه هذا القضيب ، ولا مجال فى تفسير القرآن للتطويل فى أمثال هذه المسائل الطبيعية لأنها تطلب من فنونها الخاصة بها ، فلنعد إلى بيان المثل.
استحضر حال قوم مشاة فى فلاة من الأرض نزل عليهم بعد ما أقبل ظلام الليل صيّب من السماء قصفت رعوده ، ولمعت بروقه ، وتصوّر كيف يهوون بأصابعهم إلى آذانهم كلما حدث قاصف من الرعد ، ليدفعوا شدة وقعه بسد منافذ السمع برءوس الأنامل ، وعبر عن الانامل بالأصابع هذا التعبير المجازى اللطيف للاشعار بشدة عنايتهم بسد آذانهم ، ومبالغتهم فى إدخال أناملهم فى صما ليخها ، كأن كل واحد منهم يحاول بمادهمه من الخوف أن يغرس إصبعه كلها فى أذنه ، حتى لا يكون للصوت منفذ إلى سمعه ، لما يحذره على نفسه من الموت الزؤام ؛ ومعالجة الحمام ، وهذا هو الجبن الخالع ، ومنتهى حدود الحماقة ، لأن سد الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت ، والموت فقد الحياة بمفارقة الروح للبدن ، وخلق الله له عبارة عن تقديره أو عن قبضه للروح وتوفيه للنفس.
وقوله تعالى (وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ) يرشدنا فى أثناء شرح المثل وتقريره إلى حال من ضرب فيهم المثل لئلا يذهلناما نتصوره من حال المشبه به عن حال المشبه المقصود بالذات. وهو أن التصامم والهروب من سماع آيات الحق والحذر من صواعق براهينه الساطعة أن تذهب بتقاليدهم التى يرون حياتهم الملية مرتبطة بها لا يفيدهم شيئا ، لأن الله تعالى محيط بهم ، ومطلع على سرائرهم ، وعالم بما فى
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
