لم يلبثوا أن انقرضوا كل هذه العناية ، ويطيل فى بيان حالهم أكثر مما أطال فى الأصناف الثلاثة الذين هم سائر الناس
نعم إن الآيات على عمومها تتناول من كان منهم فى عصر التنزيل تناولا أوليا وتصف حالهم وصفا مطابقا ، وهى مع ذلك عبرة عامة شاملة لمن مضى ولمن يجىء من هذا الصنف إلى يوم القيامة ، وقد كان ويكون من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ومن كل طائفة تدعى إنها على دين ، ولم يحك عنهم دعوى الإيمان بالأنبياء والأعمال الصالحة ـ مع أن منهم الذين يدعون ذلك ـ لأن الإيمان باليوم الآخر يتضمن ذلك ، فهو إنما يعرف من قبل الأنبياء ، وهذا من ضروب إيجاز القرآن التى بلغت حد الاعجاز.
قد يقال : كان فى أولئك القوم من كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر كمنافقى اليهود ، فلم كذبهم ونفى عنهم الإيمان نفيا مطلقا مؤكدا بدخول الباء فى خبر «ما» فقال (وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) أى بداخلين فى جماعة المؤمنين الصادقين ألبتة. وهو أبلغ من نفى فعل الإيمان المطابق للفظهم والمقيد بالإيمان بالله وباليوم الآخر؟ والجواب : أن اعتقادهم التقليدى الضعيف لم يكن له أثر فى أخلاقهم ولا فى أعمالهم ، فلو حصّل ما فى صدورهم ، ومحص ما فى قلوبهم ، وعرفت مناشىء الأعمال من نفوسهم ، لوجد أن ما كان لهم من عمل صالح كصلاة وصدقة فانما مبعثه رئاء الناس ، وحب السمعة ، وهم من وراء ذلك منغسمون فى الشرور ، كالافساد والكذب والغش والخيانة والطمع وغير ذلك من الرذائل التى حكاها عنهم الكتاب ونقلها رواة السنة ، وهذه الأعمال تدل على أنهم لا يؤمنون بالله كما يحب ويرضى أن يؤمن به ، وهو أن يشعر المؤمن بعظيم سلطانه ، ويعلم أن الله سبحانه مطلع على سره وإعلانه ، لأنه مهيمن على السرائر ، وعالم بما فى الضمائر ، فيرضيه بظاهره وباطنه. بل كانوا يكتفون ببعض ظواهر العبادات يظنون أنهم يرضون الله تعالى بذلك. ولذلك قال فبهم :
(يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أقول : الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه له لتنزله عما هو بصدده من قولهم : خدع الضب إذا توارى فى جحره ، وضب خادع ـ إذا أوهم الصائد إقباله عليه ثم خرج من باب آخر ،
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
