ظاهرة منكشفة (قال) ومثل هذه الدقائق هى المرادة بقول صاحب التلخيص «ولكل كلمة مع صاحبتها مقام».
(وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) أقول : العذاب اسم لما يؤلم ويذهب بعذوبة الحياة من ضرب ووجع وجوع وظمأ. قال الراغب : واختلف فى أصله ، فقال بعضهم : هو من قولهم : عذب الرجل إذا ترك المأكل (زاد غيره من شدة العطش) والنوم فهو عاذب وعذوب ، فالتعذيب فى الأصل هو حمل الانسان أن يعذب ، أى بجوع وبسهر. وقيل : أصله من العذب ، فعذبته : أزلت عذب حياته. على بناء : مرّضته وقذيته (١) وقيل أصل التعذيب إكثار الضرب بعذبة السوط أى طرفه ا ه. وقال البيضاوى العذاب كالنكال بناء ومعنى تقول أعذب عن الشىء ونكل عنه ـ إذا أمسك ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويردعه ، ولذلك يسمى نقاخا وفراتا ثم اتسع فأطلق على كل ألم فادح وإن لم يكن عقابا يردع الجاني عن المعاودة الخ. والعظيم ضد الحقير فهو فوق الكبير الذى هو ضد الصغير. وتنكير العذاب هنا للاشارة إلى أنه نوع منه مبهم مجهول عند أهل الدنيا ، بناء على أن المراد به عذاب الآخرة التى هى من عالم الغيب. وقال شيخنا تبعا للجمهور : التنكير فيه للتعظيم والتهويل ووصفه مع ذلك بعظيم يدل على أنه بالغ حد العظمة كمّا وكيفا ، فهو شديد الإيلام ، وطويل الزمان. وهل هذا العذاب فى الدنيا أم فى الآخرة؟ قال فى آية أخرى (٥ : ٤١ (لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ) فيؤخذ من هذه الآية ومن آيات أخرى أن الاعراض عن هدى الإسلام ، وما أرشد إليه من إصلاح المعاش والمعاد ، جزاؤه الضنك والضيق وفقد العزة والسلطة فى الدنيا ، والعذاب العظيم فى العقبى.
وهنا سأله سائل : هل الآية نص فى التكليف بالمحال؟ فقال : لا ، وأنا لا أحب أن أحشر المسائل الخلافية فى تفسير القرآن بل أحب أن أبين المعنى الذى كان يفهمه الصحابة رضى الله تعالى عنهم ، وما كان يخطر على بال أحد منهم التكليف بالمحال. على أن الاتفاق واقع بين الأئمة بل بين الأمة على أن التكليف
__________________
(١) يقال قذيته أو قذيت عينه أى أخرجت القذى منها ، فالهمزة للازالة
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
