معه محل لغيره بهذا التعبير البليغ (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ، وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) قال الراغب : الختم والطبع يقال على وجهين : مصدر ختمت وطبعت ، وهو تأثير الشىء كنقش الخاتم والطابع (والثانى) الأثر الحاصل عن النقش ، ويتجوز بذلك تارة فى الاستيثاق من الشىء والمنع منه اعتبارا بما يحصل من المنع بالختم على الكتب والأبواب نحو (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) وختم على قلبه وسمعه) ـ إلى أن قال ـ فقوله (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) ...) إشارة إلى ما أجرى الله به العادة أن الانسان إذا تناهى فى اعتقاد باطل وارتكاب محظور ـ ولا يكون منه تلفت بوجه إلى الحق ـ يورثه ذلك هيئة تمرنه على استحسان المعاصى ، وكأنما يختم بذلك على قلبه. وعلى ذلك (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) ا ه المراد منه.
وأقول : إن مراده أن هذا التعبير مثل لمن تمكن الكفر فى قلوبهم حتى فقدوا الدواعى والأسباب التى تعطفهم إلى النظر والفكر فى أدلة الايمان ومحاسنه. ختم الله على قلوبهم فلا يدخلها غير ما رسخ فيها ، وعلى أسماعهم فلا يسمعون آيات الله المنزلة سماع تأمل وتفقه ، وقوله (وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ) جملة معطوفة على جملة (ختم) والغشاوة ما يغطى به الشىء ، ومعنى هذه المادة : غ ش ى ـ التغطية. والمراد أن أبصارهم لا تدرك آيات الله المبصرة الدالة على الايمان ، فكل من الفريقين لا يرجى إيمانه وقد أسند الختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلى الله تعالى لأنه بيان لسنته تعالى فى أمثالهم ، وعبر عنه بالماضى للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه ، وهو لا يدل على أنهم مجبورون على الكفر ، ولا على منع الله تعالى إياهم منه بالقهر ، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى فى تأثير تمرنهم على الكفر وأعماله فى قلوبهم بأنه استحوذ عليها وملك أمرها حتى لم يعد فيها استعداد لغيره ، كما تقدم مثله عن الراغب. ويوضح ما قلناه : قوله تعالى فى سورة المنافقين (٦٣ : ٣ (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ) وقوله فى اليهود من سورة النساء (٤ : ١٥٤ (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ : قُلُوبُنا غُلْفٌ. بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ؛ فَلا
![تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ] [ ج ١ ] تفسير القرآن الحكيم [ تفسير المنار ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4494_tafsir-alquran-alhakim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
